من دستور المدينة إلى الحالة السورية الجديدة.. حين انحرف الدِّينُ عن مقاصده وغابت الدولة عن عقدها
2025.10.30
د. ياسين العلي
في لحظةٍ نادرةٍ من التقاء الوحي بالعقل، وامتزاج الإيمان بالحكمة، وُلد في المدينة المنوّرة أول عقدٍ اجتماعي في التاريخ الإسلامي. وثيقةٌ كتبها سيدنا محمد ﷺ لتؤسس نظامًا جديدًا للحياة المشتركة، نظامًا يقوم على العدل والكرامة والتعدد، لا على العصبية والإقصاء. لم تكن تلك الصحيفة بيانًا دينيًا موجَّهًا للمؤمنين وحدهم، بل كانت عهدًا مدنيًا جامعًا بين المهاجرين والأنصار واليهود وغيرهم من سكان المدينة، عقدًا يستمد روحه من الوحي دون أن يصادر حرية الإنسان، ويستند إلى الإيمان دون أن يفرضه بالقوة. كانت إعلانًا أن المدينة فضاءٌ للعيش المشترك، وأن الانتماء إليها لا يُقاس بالمذهب أو العِرق بل بالعهد والمسؤولية. هناك وُلدت فكرة الأمة بوصفها رابطةً مدنيةً قوامها التعايش، أمةٌ تتعدد فيها الأديان وتتوحّد في العدالة، وتُحترم فيها الخصوصيات ضمن عقدٍ عامٍ يحفظ الحقوق والواجبات للجميع.
لقد جسّد الرسول سيدنا محمد ﷺ في المدينة نموذج الدولة الأخلاقية التي تستلهم من مقاصد الشريعة روحها، ومن ضمير الإنسان معناها. دولةٌ تُدار بالعهد لا بالقهر، وتُبنى على الثقة لا على الخوف، وتستمد مشروعيتها من العدل لا من السلاح. كانت المرجعية فيها قيمًا سامية: الحرية، والكرامة، والوفاء بالعهد، والعدل الذي لا يفرّق بين الناس. ومن هذه المرجعية نشأ مفهوم المواطنة قبل أن يُعرف اسمه، فالمواطن في المدينة هو من يشارك في حماية الجماعة ويلتزم بميثاقها، مهما كان دينه أو نسبه. كانت المدينة فضاءً يحتضن الاختلاف لا يخشاه، ويحتفي بالتنوع لا يجرّمه، لأن العدالة الحقيقية لا تُختبر في اتفاق المتشابهين، بل في إنصاف المختلفين.
لكن التاريخ الذي بدأ بالوحي، انقلب مع الزمن إلى تاريخٍ للسلطة. ومع كل انحرافٍ في فهم الدِّين، تراجعت روحه الأولى. وحين عاد القرن العشرون، جاءت معه ظاهرة الإسلام السياسي تحمل وعود الخلاص، لكنها في عمقها أعادت إنتاج الأزمة القديمة بثوبٍ جديد. فبدل أن تُعيد الدِّين إلى مقامه كضميرٍ عامٍ للأمة، حوّلته إلى أداةٍ للصراع على السلطة. تحوّل الوحي إلى شعارٍ تعبوي، والعقيدة إلى برنامجٍ يُدار بمنطق الغلبة، والشريعة إلى رايةٍ تُرفع باسم الأكثرية لا باسم العدالة. هكذا صار الدِّينُ الذي أُنزل ليحرّر الإنسان وسيلةً لتقييده، وصار التنوّع الذي كان مصدر غنى للأمة بابًا للتكفير والإقصاء.
من السودان إلى أفغانستان، ومن القاهرة إلى دمشق، تكرّر المشهد ذاته. دولٌ تتحدث باسم الله وتُمارس القهر، وأكثريات ترفع راية الإيمان لكنها تنسى الرحمة التي هي جوهر الرسالة. تحت عناوين الخلافة والتمكين والمقاومة، وُلدت أنظمةٌ تكرّر ذات منطق الاستبداد الذي ثار عليه الناس، لأن المشكلة لم تكن في الشعارات بل في الذهنية التي تجعل من الدِّين سلطةً ومن الأكثرية وصايةً. في تلك اللحظة، تلاشى الفرق بين دولةٍ تقول إنها مدنية لكنها تستعبد المواطن باسم الأمن، ودولةٍ تقول إنها إسلامية لكنها تستعبد الإنسان باسم الدِّين. كلاهما فقد البوصلة التي جعلت من النبوة يومًا مشروع عدلٍ وكرامة، لا مشروع قهرٍ وهيمنة.
وفي سورية، بعد سقوط النظام بكل ما مثّله من استبدادٍ واحتكارٍ للهوية، ظنّ كثيرون أن الفرصة قد حانت لتأسيس عهدٍ جديدٍ يقوم على العدالة والمواطنة. لكنّ ما جرى في الواقع كان عودةً إلى الأيديولوجيا بأسماءٍ مختلفة. فبدل أن يُكتب عقدٌ وطنيٌّ جامع يستلهم روح المدينة الأولى، تعدّدت العقود الجزئية والمناطقية والمذهبية. رفعت كل جماعة رايتها الخاصة، وأعلنت نفسها ناطقةً باسم “الحق” و”الدِّين”، فاستُخدم المسجد منبرًا للسلطة، والمنبر أداةً للتعبئة، والعقيدة ذريعةً للإقصاء. ضاعت الفكرة الجامعة وسط ضجيج الرايات، وتحوّل الوطن إلى فسيفساء تتنازعها الأوهام.
وزاد الطين بلة أنّ كثيرين في المشهد السوري الجديد جعلوا المقارنة مع النظام السابق ميزانًا للحكم على الحاضر. يُقال: “نحن أفضل من النظام”، أو “ما يجري اليوم أهون مما كان”، وكأنّ معيار التقدّم هو أن نكون أقلّ سوءًا من الماضي لا أكثر وعيًا بالمستقبل. هذا التكرار المثير للجدل – والمستخدم عادةً للتبرير – هو أخطر أشكال المغالطة، لأنه لا يؤسّس لنهجٍ جديد، بل يُعيد صناعة الفشل نفسه داخل مقارنةٍ مع القديم السيّئ. فحين يُبنى الجديد على قياس الأسوأ، يصبح تكرارًا له بوجهٍ مختلف. هكذا تتجذّر الأزمة الفكرية قبل أن تتجلى سياسيًا: نُقارن لنبرر، لا لنرتقي، ونُعيد إنتاج الاستبداد بذات لغته ولكن بأدواتٍ أخرى.
إنّ جوهر الأزمة في سورية اليوم لا يكمن في انحراف الفهم الدِّيني عن مقاصده، ولا في سقوط النظام، بل في غياب العقد الاجتماعي الذي يَجمع الناس على قاعدة القيم لا على منطق الغلبة. فحين يتحوّل الدِّين إلى أداةٍ لتبرير السلطة يفقد صفاء رسالته، وحين تفقد الدولة شرعيتها التوافقية تتحوّل إلى هيكلٍ بلا روح. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الدولة والنظام؛ فالدولة كيانٌ تراكميٌّ ممتدّ في الزمان، هي ذاكرة المجتمع ومؤسساته، أما النظام فهو الشكل السياسي العابر الذي يديرها أو يختطفها. سقوط النظام لا يعني انهيار الدولة، بل يجب أن يكون لحظة مراجعةٍ لإصلاحها لا لهدمها، لأن الدولة ليست بناءً يُعاد تشييده من العدم، بل منظومةٌ تُرمَّم ويُطوَّر ما فيها من خيرٍ ويُستبدل ما فيها من فساد.
ما تحتاجه سورية الجديدة إذن ليس دولة خلافةٍ تتحدث باسم السماء، ولا دولة علمانيةٍ جامدةٍ تتنكّر للروح، بل دولةٌ تقوم على عقدٍ وطنيٍّ أخلاقيٍّ جامع، يُعيد التوازن بين الإيمان والعقل، ويجمع بين الحرية والمسؤولية، ويجعل التنوّع مصدرَ غنى لا ذريعةَ انقسام. عقدٌ يُعيد تعريف الانتماء على أساس المواطنة لا الأكثرية، وعلى أساس الكرامة الإنسانية لا الولاء، فيكون الوطن وطنًا لكلّ من يسهم في بنائه، لا حكرًا على من يرفع شعاره.
العبرة من دستور المدينة ليست في نصوصه، بل في روحه. فالبشر يستطيعون أن يتعايشوا رغم اختلافهم إذا اتفقوا على العدل والرحمة والكرامة. وهذا ما تحتاجه سورية اليوم: أن تؤمن بأن الاختلاف ليس خطرًا بل طاقة، وأن الدِّين لا يكون قوة بناء إلا حين يتحرر من سلطة الأكثرية، وأن السياسة لا تكون فنًّا للحكم إلا حين تنبع من ضميرٍ أخلاقيٍّ حيٍّ لا من مصلحةٍ فئوية.
إن كتابة “الصحيفة السورية” لا تعني كتابة دستورٍ جديد فحسب، بل كتابة ضميرٍ جديدٍ للأمة. ضميرٍ يعيد للإنسان مكانته الأولى كقيمةٍ لا كأداة، وكغايةٍ لا كوسيلة. لن تنهض سورية بالشعارات، بل بالعقد الذي يُعيد للناس ثقتهم ببعضهم، بالعقد الذي يجعل العدالة فوق الجميع، ويضع الكرامة الإنسانية في صميم الفكرة الوطنية.
حينها فقط يمكن القول إننا عدنا إلى أصل الفكرة لا إلى شكلها، إلى المدينة كرمزٍ للعيش المشترك لا كمجرد ذكرى. وحين تصبح سورية الجديدة دولةً تُدار بالعقد وتُضبط بالضمير وتُلهَم بالوحي الأخلاقي لا بالأيديولوجيا، يمكن عندها أن نستعيد معنى الرسالة الأولى: أن الإيمان ليس مشروع سلطة، بل مشروع إنسان، وأن من يحفظ العهد أصدق ممن يرفع الشعار، وأن الدِّين الذي لا يُنصف المختلف دينٌ فقد روحه.
سورية اليوم أمام خيارٍ مصيريٍّ واضح: أن تبقى أسيرة الشعارات التي مزّقتها، أو أن تبني عهدًا جديدًا بروح المدينة القديمة، حيث تُصان الكرامة، وتُحترم الحرية، ويُعاد للدِّين معناه كضميرٍ للأمة لا كأداةٍ للحكم. تلك هي البداية الممكنة لتاريخٍ جديدٍ لا يبدأ من الصفر، بل من الفكرة التي لم تمت بعد — فكرة أن الإنسان هو الأصل، وأن العقد هو المعجزة التي تسبق كل الدساتير.