"نعيم قطان" يهودي عراقي: كنا معززين في العراق
2025.10.14
نصر شمالي
هذا النص منشور على هذه الصفحة في مثل هذا اليوم من العام 2021، وأعيد نشره اليوم بمناسبة انعقاد مؤتمر قمة شرم الشيخ الدولية..
----
الأديب الروائي نعيم قطان، اليهودي من أصل عراقي بغدادي (والإسرائيلي مرغما منذ مطلع الخمسينيات)، كتب في السبعينيات في مطبوعة فرنسية أصدرها جان بول سارتر ما يلي:
- "في باريس كنت عربياً، يهودياً شرقياً سفاردياً.. عندما أتعثر بكلمة عبرية أفتش عن مقابلها العربي كي أفهمها.. العبرية هي لغة سامية، وكنت أقول لنفسي ذلك وأنا في رامات غان ( في فلسطين المحتلة) ويهود بولونيا وروسيا لا يستطيعون لفظ القاف والطاء والعين كما ينبغي أن يفعلوا، وكما يفعل المرء عندما يولد في المكان الذي ولدت فيه اللغة.. هؤلاء غيروا وشوهوا لفظ العبرية.. الذل بلغ مداه عندما نحن الذين نؤلف الأصل والمرجع نشد إلى قطار التقدم الوهمي..
كنت إذن شرقياً يهودياً عربياً، أو يهودياً سفاردياً.. ما أهمية التسمية إذا كانت الحقيقة المعاشة في المجتمع الحاضر (في الكيان الصهيوني) تكنس الحدود والخطوط التي رسمها التاريخ؟!
مهما كانت أمجادنا، نحن العراقيين أو المراكشيين أو المصريين أو التونسيين، فنحن (في رأيهم) متخلفون وثقافاتنا غير المكتوبة غالباً تعوم بصعوبة، متحولة إلى فولكلور! ما قيمتنا إن لم تكن لدينا أسماء كبيرة نضيفها إلى أنشتاين وفرويد وكافكا؟! مِم نشتكي؟! إن لنا المصير الذي نستحقه!
لقد قاوم اليهود الأوروبيون على مدى قرون ذلك النكران الأساسي، حيث اليهودي الأوروبي ناج أبدي، لأنه رفض أن يغير دينه.. إن الإسلام يؤكد نفسه كآخر دين للتوحيد، وأن محمداً هو المبعوث الأخير للإله، وليس عليه أن يقلب لا المسيحيين ولا اليهود عن دينهم.. إنه يعترف باستقلالهم الديني ويقبل بوجودهم وبكيانهم كجماعة منفصلة ومستقلة دينياً.. إنني، كيهودي بين المسلمين، لم يحاول أحد أبداً أن يحولني عن ديني.. لم يكن علي لأكون يهودياً أن أنكر الإسلام، وليست لدي عادة لا في أن أدافع عن ديني ولا أن أنكر دين جيراني.. أن أعيش بين المسلمين لا يهدد اعتقادي ولا يحكم علي بالامتصاص وبالاختفاء، لذلك لم تظهر عندي الحجج لأعبر عن نفسي ولأدافع عنها..
إن يهودياً من بغداد، أو من حلب، لا يشعر بالغربة (مثل اليهودي الأوروبي).. لسنا لا مهاجرين ولا غرباء.. لقد عشنا على أرضنا منذ قرون.. كنا فيها عندما ظهر الإسلام.. وعندما عربت المنطقة لم نقاوم التعريب أبداً بل ساهمنا به، واستطاع ابن ميمون إعادة صياغة العقيدة اليهودية بالعربية.. كنا نحن أيضاً بناة الامبراطورية العربية القديمة لأنه اعترف لنا باستقلالنا الذاتي كدين، وشملنا مخطط الأغلبية المنتصرة.. لقد كنا في وطننا..
ومنذ قرن شعر يهود بغداد أن بلد أجدادهم تضيق بهم.. رحلوا إلى بلدان عديدة في العالم، وتكلموا العربية، وعادوا إلى بغداد ليتزوجوا، ويروا الأهل.. لم يكونوا في المنفى في أي مكان ذهبوا إليه.. كانت بغداد وطناً ونقطة انطلاق، ومحوراً لقياس النجاح وإرساء الذاكرة..
بالنسبة لنا، ليس ثمة حاجة للعودة إلى فلسطين، فقد كنا فيها بالجوار الفيزيائي وبالزمن، وقد شهدنا مجد الإمبراطوريات وانحطاطها، وشاركنا فيها.. كنا شركاء في الامبراطورية الإسلامية وطردنا من إسبانيا مع أولئك الذين يتغنون بمجد محمد".
نعيم قطان (1928-2021)
ولد في بغداد ومات في باريس
----
- عن كتابي "مصيرنا هو مصير فلسطين" الصادر في دمشق عام 1996
روابط ذات صلة