الطائفة العلوية بين فقرها الاجتماعي وتمثيلها السياسي الزائف
2025.09.25
نضال أمون
في قلب المشهد السوري، تتجلى مفارقة صارخة: طائفة أنهكها الفقر، تُستدعى اليوم إلى واجهة التمثيل السياسي عبر وجوه لم تكن يومًا من نسيجها الشعبي، بل من طبقاتها المتجبرة التي عاشت على هامشها، واستثمرت في سلطتها لا في مجتمعها. إن ما نشهده ليس صراعًا على تمثيل الطائفة، بل محاولة لإعادة تدوير نفوذ عائلات كانت تاريخيًا تعيش في برجها العاجي، تمارس السلطة لا باسم الطائفة، بل على حسابها.
الطائفة العلوية، التي كانت في سردياتها الداخلية تتفاخر بالعلم، بالزهد، وبالانتماء إلى الجبل لا إلى القصر، تجد نفسها اليوم ممزقة بين واقع اجتماعي يزداد هشاشة، وتمثيل سياسي يزداد وقاحة. فالفلاح الذي كان يروي الأرض بعرقه، والموظف الذي كان يكتفي براتب لا يكفي لأسبوع، لم يكن يومًا جزءًا من منظومة القرار، بل كان وقودًا لها. واليوم، حين باتت الطائفة تعيش على هامش الاقتصاد، وتُقاس كرامتها بكيس سكر أو جرة غاز، يخرج من يدّعي تمثيلها ليعيد إنتاج خطاب سلطوي لا يعكس إلا مصالحه الضيقة.
في سرديات المجتمع العلوي، كانت هناك دائمًا فجوة بين "أهل الجبل" و"أهل النفوذ". أهل الجبل هم الذين عاشوا على الكفاف، بنوا حياتهم على التضامن، وتوارثوا قيمًا روحية وثقافية عميقة. أما أهل النفوذ، فهم الذين تسلقوا السلطة عبر بوابات الأجهزة، واستثمروا في الطائفة كرافعة لا كهوية. واليوم، حين تتهالك الدولة، يعود هؤلاء ليطالبوا بالتمثيل الحصري، وكأن الطائفة ملكية خاصة، لا نسيجًا اجتماعيًا متنوعًا.
التحليل السياسي هنا لا ينفصل عن الواقع الاجتماعي: الطائفة ليست كيانًا سياسيًا موحدًا، بل مجتمعًا متشظيًا، يعاني من الفقر، من التهميش، ومن استغلال اسمه في معارك لا تعنيه. إن محاولة احتكار تمثيلها ليست إلا استمرارًا لمنطق الإذلال، ولكن هذه المرة بلغة الخطابة لا بلغة الأجهزة. وما لم يُعاد الاعتبار للناس الحقيقيين، لأولئك الذين يعيشون في القرى المنسية، ويقيسون يومهم برغيف خبز، فإن كل خطاب سياسي باسم الطائفة سيبقى زائفًا.