بودكاست "احاطة".. حول الصين والولايات المتحدة
2025.09.16
د. كمال خلف الطويل
هنا حوار رصين حول موضوع فارق لعارفين على منصة قديرة؛ ولأنه كذلك فقد شعرت بضرورة التعليق على جانب واحد منه أجد نفسي على خلاف معه: مقولة أن الولايات المتحدة تمكّنت من تفريق الصين عن الاتحاد السوفييتي عام ١٩٧٢ بمساعي نيكسون - كيسنجر، ملحوقين بكارتر - بريجنسكي في ١٩٧٩.
عندي أن ذلك خطأ شاع واستفحل؛ فعودة متأنّية لتاريخ العلاقات السوفييتية - الصينية، منذ انتصار الثورة الشيوعية في الصين، في أكتوبر ١٩٤٩، يري علوّاً شاهقاً مذّاك وحتى زيارة ماوتسي تونج لموسكو في الذكرى الأربعين لثورة أكتوبر الشيوعية، في نوفمبر ١٩٥٧، ثم هبوط متدرّج في العلاقة بين تلك الزيارة وقرار خروتشيف سحب كل الخبراء السوفييت - وكانوا قرابة ٢٠ ألفاً - من كل المرافق الصينية، المدنية والعسكرية، صيف العام ١٩٦٠.
تعددت أسباب المفاصلة: سخط بيجينغ على حملة نزع الستالينية التي قادها خروتشيف منذ شباط ١٩٥٦.. رفض خروتشيف عون الصين في انتاج السلاح النووي.. نهج التعايش السلمي الذي اختطه خروتشيف مع الولايات المتحدة.. ورفض موسكو ترسيم الحدود البرية تلبيةً لمطالب الصين.
مع عزل خروتشيف، في أكتوبر ١٩٦٤، أمل ماوتسي تونج في تراجع موسكو عن نهج خروتشيف في المناحي أعلاه (وبعلم أن الصين حازت السلاح النووي، في ١٩٦٤، بجهودها الذاتية)؛ لكن فأله سرعان ما خاب في الترويكا التي عزلت خروتشيف (بريجنيف وكوسيجن وميكويان: الأخير سرعان ما استبدل ببودجورني) وقد وجدها متشبثة بنهج من عزلته، بل وزادت عليه.
لبث قاسم مشترك أدنى بين الطرفين هو عون كل منهما بطريقته، عبر سنوات ١٩٦٥-١٩٧٢، لفيتنام الشمالية في خوضها حرب تحرير جنوب فيتنام من الاحتلال الأمريكي.
مع خريف ١٩٦٩، خاض البلدان حرباً برية قصيرة على الحدود لم يوقفها سوى خشيتهما من تحولها إلى نووية.
سوى ذلك، اتّخذت الحرب الباردة بين البلدين طابعاً عقدياً حاول أن يتستر على أبعاد قومية وتاريخية وحدودية ومقاماتية.
مع اقتراب حرب فيتنام من خواتيمها المنطقية (الجلاء الأمريكي)، ونزول فصل الختام على الثورة الثقافية بترحيل لين بياو إلى بارئه، شعر ماو أن الصين باتت في حاجة لتطبيع علاقاتها مع الغرب، بقيادة الولايات المتحدة. من مناح عدّة أهمها الاقتصاد بكل أبوابه؛ سيما وقد اطمأن إلى تطهيره الداخل ممن شك في بعض "غربنة" عندهم (ليوتشاوشي وتشن يي وغيرهم)، وإذن فلا خشية من اختراق يلي التطبيع.
هذا لجهة ماو، أما نيكسون وكيسنجره فقد وجدا ضرورة ردف نهج الانفراج، فالوفاق، مع الاتحاد السوفييتي، الذي كانوا يحضّرون لاعتماده، بانفراج انفتاحي مع الصين يستفيد من - لكنه لم يخترع أو حتى يفاقم - الشقاق الصيني-السوفييتي، بما جعل العلاقة بين الثلاثة مثلثاً متساوي الأضلاع.
من هنا زيارة نيكسون لبيجينغ في شباط ١٩٧٢ - بعد تمهيد كيسنجري في باكستان في تموز ١٩٧١ - ولموسكو في مايو من العام نفسه.
الشاهد، أن ما تردّد أخيراً عن سعي واشنطن "تكرار" واقعة شباط ٧٢ مع بيجينغ لا يستقيم، فلا نيكسون يومها فرّق بينها وبين موسكو، بل وجد الشقاق بعمق أخدود، ولا ترامب الآن بمستطيعٍ التفريق؛ اللهم سوى بينه ذاته وبين الهند وأوروبا والخليج، وفي شهور ثمان فحسب.