كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قمع العشيرة والطائفة لأبنائها..!

شعبان عبود

في الأيام الأخيرة لفت نظري كثيراً ما راح إليه بعض الناشطين الدروز من تخوين لشيخ عقل الطائفة الدرزية في لبنان سامي أبو المنى والشيخ ليث البلعوس زعيم حركة الكرامة. قبل ذلك كانت شخصية سورية بارزة مثل رجل الأعمال أيمن أصفري قد تعرضت لحملات تخوين وانتقادات واسعة من قبل أبناء الطائفية السنية لمجرد أنه عبر عن رأي ووجهة نظر مختلفة لمناخ الولاء السائد.
في البداية لا بد من الاعتراف أنه في المجتمعات التي تهيمن عليها البنى العشائرية والطائفية، يُختزل الإنسان من كونه كائناً حراً إلى “ابن العشيرة” أو “ابن الطائفة”. الفرد في هذه البيئة لا يملك حق التعبير الحر ما لم يتطابق رأيه مع “الجماعة”، وإلاّ اتُّهم بالخيانة، وتعرض للتشهير، والتشكيك، وحتى النبذ، من أقرب الناس إليه.
في الحالة السورية، ورغم مرور البلاد بتجربة قاسية دفعت كثيرين للمطالبة بالحرية والكرامة، لا تزال هذه البنية تفرض سطوتها، حتى داخل ما يُسمّى بـ”النخب”. مثال واضح على ذلك ما فعله الناشط ماهر شرف الدين، أحد أبرز الأصوات في المشهد الإعلامي بعد سلسلة الأحداث الدامية في السويداء مؤخراً، حيث شنّ حملات تخوين وتشكيك بحق شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان، الشيخ سامي أبو المنى، لمجرد أنه عبّر عن رأي اعتبر فيه أن الشيخ حكمت الهجري يتحمل جزءًا من المسؤولية عمّا جرى من تطورات أمنية خطيرة في السويداء. لم يتوقف التخوين عند الشيخ أبو المنى، بل طال أيضًا الشيخ ليث البلعوس، الذي عبّر بدوره عن مواقف مماثلة عبّر خلالها عن تحميله الشيخ الهجري مسؤولية ما جرى من أحداث في السويداء . بعد ذلك، ذهب ماهر شرف الدين بعيداً جداً، اتهم ومن موقعه الجديد، كدرزي وليس كسوري، كل الطائفة السنية بمباركة ما وصفه "بارتكاب جرائم تطهير عرقي في السويداء."
المفارقة أن ماهر شرف الدين لم يوجّه أي انتقاد يُذكر لإسرائيل، رغم استهدافها المتكرر للأراضي السورية، ورغم الجرح العميق الذي سببه قصف إسرائيل لدمشق، أو تجاه ظواهر خطيرة مثل رفع العلم الإسرائيلي على أحد المباني في السويداء. بينما وجه كل طاقته لتخوين أبناء طائفته ممن لم يسيروا مع التيار الطائفي الغاضب، في ازدواجية لافتة. عنده إسرائيل لا تمثل خطراً، ليس لديها مشاريع لتقسيم سوريا، ليست خصماً أو عدواً، الأعداء هم كل صوت درزي لا ينسجم أو يتفق مع حكمت الهجري، الأعداء هم كل الطائفة السنية! اليوم حسب هذه الثقافة وهذه العقلية وهذا المناخ لا نعتقد أن صوتاً درزيا واحداً من داخل السويداء وربما من خارجها، يستطيع التعبير عن رأي مختلف ومخالف، التهمة جاهزة: الخيانة.
لكن الظاهرة لا تقتصر على بيئة طائفية بعينها. ليست المشكلة محصورة عند ماهر شرف الدين أو الطائفة الدرزية، على الضفة المقابلة، يواجه مثقفون وإعلاميون ونخب سورية سنيّة حملات تخوين مماثلة، فقط لأنهم وجّهوا انتقادات للسلطة التي يمثلها أحمد الشرع، أو لأنهم نددوا بانتهاكات قام بها متطرفون إسلاميون ومؤيدون له في مناطق الساحل أو في محافظة السويداء. هؤلاء أيضاً، ورغم خطابهم الوطني، ورغم اعتراف الشرع نفسه بحصول انتهاكات وتوعده بإجراء تحقيقات ومحاسبة، فهم يتعرضون لهجمات شرسة، لا سيما من محيطهم القريب، من أبناء طائفتهم أو منطقتهم أو جمهورهم المفترض لمجرد أنهم خرجوا عن المألوف الجمعي أو تعرّضوا "لمقدسات" الجماعة بالسؤال أو النقد.
هنا نتذكر جيداً ما تعرض له رجل الأعمال السوري أيمن أصفري منذ شهرين تقريباً، لمجرد تعبيره عن رأي انتقد فيه بعض السياسات التي انتهجتها السلطة الجديدة برئاسة أحمد الشرع. رغم أن موقفه لم يكن استفزازياً أو عدائياً، بل نابع من حرص اقتصادي وسياسي، إلا أن ما واجهه من حملات تخوين وتهوين وتشهير كان لافتاً. والمفارقة الكبرى أن أغلب هذه الهجمات جاءت من أبناء طائفته، الطائفة السنية، وأبناء ادلب التي ينتمي إليها حيث تعاملوا مع موقفه بوصفه “طعنة” للصف السني أو لمشروع السلطة الجديدة، لا كموقف فردي مشروع لرجل مستقل. وكأن الخروج عن السرب لم يعد يُقابل بالحوار، بل بالإقصاء. لا يجب على أحد وغير مسموح الخروج عن القطيع.
ما نراه، إذن، ليس انحيازاً طائفياً فقط، بل بنية ذهنية واحدة تتكرر في كل الأطياف، قائمة على رفض الاختلاف، ومصادرة الموقف الفردي المستقل، واعتبار كل من يعبر عن موقف عقلاني وشجاع في لحظة توتر، خائناً أو متآمراً.
إن الخطر الحقيقي على السوريين لا يكمن فقط في الأنظمة السلطوية، بل في بنى اجتماعية عميقة ترسّخ القمع بأسماء مختلفة: العشيرة، الطائفة، الجماعة، “أبن البلد”.
نحن في هذه الثقافة، أنا وأنت مجرد أرقام لا أفراد، الطائفة والعشيرة وحتى الأقرباء والأصدقاء ينظرون إلينا كأرقام، يجب أن نصفق إذا صفقوا، نؤيد إذا أيدوا، ننافق إذا نافقوا، نتهم إذا اتهموا، نرفع السيف إذا قرروا رفعه، الولاء للقائد أو للشيخ إذا قرروا ذلك، كراهية هذه الطائفة أو تلك وتخوينها إذا قرروا ذلك.. وعندما تقول كلمة مثل سوريا أو وطن، سيأتي أحمق ما ويضحك عليك كثيراً ويتهمك، بأنك "مثقف" لا تفهم شيئا، طبعاً سيتهمك ساخرا بهذه الكلمة إذا كان يتمتع بقليل من الأدب والحياء.. أما إذا لم يكن كذلك، فعليك أن تتوقع منه كل الكلمات النابية والإساءة الشخصية.