هل القوى الحليفة لنا تريدنا أن ننتصر؟!..
2025.06.18
محمد الوزيري
[ روسيا، الصين، كوريا شمالية]... والوعي المتقدم لدى الجمهورية الإسلامية في إيران.
إن العرب وحدهم قد خاضوا نحو 18 حربا ضد إسرائيل مباشرة، أو القوى الداعمة لها من أمريكا وفرنسا وبريطانيا، بداية بحرب ماي 1948م، وليس نهاية بحرب 2003م من أجل إسقاط نظام صدام، ثم حرب إسقاط القذافي، وآخرها حرب إسقاط النظام في سوريا.. وذهب النصيب الأكبر في المواجهات إلى فلسطين، فغزة وحدها خاضت أكثر من 12 مواجهة مباشرة ضد العدو، وعشرات المواجهات غير المباشرة..
الشاهد في الأمر أن في كل المعارك الرئيسة، كان القول الفصل لقوة الردع التي تستخدمها إسرائيل مسلمة من القوى الداعمة لها، في مقابل استسلامنا القسري بسبب ضعف اللوجستيك الذي كان حلفاؤنا من الاتحاد السوفياتي يتعمدون أن يقدموه لنا بطبيعته الركيكة التي لا تتعدى رد نصف العدوان.. لماذا وكيف؟!
لقد كان شعار جمال عبد الناصر هو "لا شرقية ولا غربية، وإنما عربية عربية"، أي لن نتبع معسكر الشيوعيين في روسيا ولا معسكر الرأسماليين في أمريكا، وكان ذلك عندما طرح فكرة القومية العربية للتطبيق، ولم يأت بها هو من عنده طبعا، رغم أنه ألف كتابا نظريا تقريبيا بعنوان "فلسفة الثورة" قبل ثورة الضباط الأحرار، فقد كان أول منظر للقومية العربية هو "عبد الرحمن الكواكبي"...
تقضي فكرة القومية العربية بأن تتحد الدول العربية تحت دستور واحد ونظام عربي واحد ولغة واحد ودفاع عسكري واحد، مع تكسير الحدود وفتح النقل البري الخارجي، مع نظام لا مركزي ذو رمزية مركزية لتنظيم شؤون النظام السياسي العربي، في أفق بناء النظام المركزي الواحد.. وباعتبار وجود أهم ثروات العالم في أرضنا، فإننا في غضون 40 سنة سنصير أفضل بسنين من الاتحاد الأوروبي وأمريكا ودول الاسكندناف...
إن طرح الفكرة بحد ذاته كان مرعبا للأصدقاء قبل الأعداء، في ظل تصاعد حركات تحرر عالمية، وظهور كيانات جديدة منها الكيان الصهيوني الذي سيزول عما قريب.. وذلك لأن قوة المسلمين هي في وحدتهم، ولكن وحدة العرب لوحدها ستكون كفيلة بأن تكون الوجه الجديد للعالم، بسبب البيئة المتكاملة..
بعد 4 سنوات فقط من صعود نجم زعيم القومية العربية ستشن ثلاث قوى حربا مدمرة ضد مصر، وهي "بريطانيا وفرنسا وإسرائيل" وذلك بسبب انتزاع قناة السويس منهم وإعادتها للمصريين في بداية التأميم.. فماذا كان دور حليفنا التاريخي حينها (روسيا الاتحاد السوفياتي)، لقد رفضوا أولا تمويل بناء السد العالي رغم أن الشروط التي اقترحها الجانب المصري كانت تتناول الفائدة، في الوقت الذي كان المفروض فيه أن يتم تمويله باتباع برنامج دعم حركات التحرر التي يدعون أنها الأب الروحي لها..
بعدها رفض السوفييت تزويد عبد الناصر بسلاح المدفعية والسلاح المضاد للطيران، لأن عبد الناصر بالفعل كان قد فتح معامل للصناعات الثقيلة، وبعضها للتعديل على بعض الأسلحة.. والسبب هو أن السوفييت كانوا يخشون على الإسرائيلي حينها أكثر من بريطانيا نفسها التي أنشأتهم.. كما لا ننسى أن أول دولة اعترفت بإسرائيل هي الاتحاد السوفياتي «الستاليني».. وكانوا يخشون من السيطرة الناصرية على الشعوب العربية باعتباره كان أقوى شخصية في الشرق الأوسط، وتجاوزت شعبيته «غاندي» و«نلسون مانديلا» و«إرنستو جيفارا» و«ماو تسي تونغ».
لقد دون سعد الدين الشاذلي في كتابه «حرب أكتوبر» أن الاتحاد السوفياتي الحليف الاستراتيجي والوحيد حينها كان يقدم الدعم العسكري لمصر وسوريا بالقدر الذي لا يصل إلى حد الردع، وبالحد الذي يضمن تفوق إسرائيل، ولقد كانت قوة التخطيط والتنظيم والصرامة هي السلاح الفتاك في حرب أكتوبر في مرحلة التقدم الأولى بعد ثغرة «الدفرسوار» قبل أن يحاصر الجيش الثالث بسبب خيانة «السادات». ولا شيئ آخر.
ولقد اعترف الشاذلي أيضا أن الدعاية التي كان يطلقها السادات عن امتلاك مصر لصاروخ «ظافر» و «قاهر» إنما كانت دعاية كاذبة ومفضوحة لخداع الجماهير والتغطية عن خيانته للهندسة الأولى للمعركة. في حين أن السوفييت كانوا يصرون في كل المعارك السابقة ألا يمتلك المصريون والسوريون سلاح ردع، وحتى صواريخ «سكود» كان السوفييت يحرصون على أن تستخدم بقراراتهم..
وعندما ذهب مع فريقه بلائحة الحاجات التنظيمية للإعداد لحرب أكتوبر كان يحصل على 25% مما كانت الجبهة المصرية تحتاج. لقد كان تعامل السوفييت مع الجبهتين المصرية والسورية تعامل الوصاية والحرص على انتصار إسرائيل وتحقيق التوازن لبقاء دولة إسرائيل، رغم أن النفوذ السوفييتي في الشرق كان أكبر من النفوذ الأمريكي حينها.
اليوم وبعد بروز الجمهورية الإسلامية الإيرانية قوة عظمى في الشرق الأوسط، طفى على السطح هوس النفوذ والمنافسة خاصة على مواطن الصراع الاستراتيجية (العراق وسوريا). لسببين: الأول تاريخي، باعتبار أن السوفييت حاربوا ضد الإيرانيين في أفغانستان، والثاني جيوسياسي كون نظرية «الولي الفقيه» لا تقل قوة عن نظرية القومية العربية ولكن في أيديولوجيتها الإسلامية التي ترتبط بالعقيدة المحضة.
لذلك فروسيا لا تنظر لإيران كحليف بقدر ما تنظر إليها كمنافس، وقد تصل إلى حد الحرب الخفية خاصة بعد الانتصار الذي تحققه إيران اليوم، وكذا بسبب هيمنة الصهيونية على الكرملين كما الحال في أواخر عهد «ستالين»ّ. لقد ساوم الروسيون على العرب في سوريا قديما، ولولا حنكة وصلابة [حافظ الأسد] حينها. لما سُمع لسوريا صوت، فانتقل من مساوم عليه إلى مركز ثقل يُفاوِض ويفاوَض، خاصة بعد تبنيه لحركات المقاومة في فلسطين، ثم دخوله لبنان. لتتحول سوريا إلى ورقة تفاوض روسية بعد 40 سنة من البناء الشاق وبروز ثورة البهائم.
إن القوى الحليفة اليوم المتمثلة في الصين وروسيا وكوريا، ليست حليفة بالمعنى الذي يجمع بريطانيا بأمريكا من مصالح تصل تفاصيلها إلى حد المشاركة حتى في صياغة البيانات. ولكنها قوى حليفة ساذجة وحقودة وغبية بالمعنى البرغماتي السياسي. إنها لا تتمتع بالدكتاتورية الانتهازية الموجودة عند حلفاء إسرائيل الذين يقدمون لها الدعم في السر والعلن. فما دامت الايديولوجية المحاربة لإسرائيل هي أيديولوجية إسلامية، فإن النظر إليها لا يختلف عن نظر المؤرخين المستشرقين حين يخلطون بين كل ما هو عربي وما إسلامي. لذلك فإن سياسة الحلفاء هي سياسة الانتظار، والدعم الكلامي لإيران والدعم العملي لإسرائيل، لأنها حصان طروادة الذي تركبه كل القوى العالمية لتنفيذ مصالحها. إذ لم يخطئ عبد الوهاب المسيري حينما أطلق على إسرائيل اسم (الجماعة الوظيفية).
ولكون إسرائيل جماعة وظيفية للجميع، فإن الحلفاء سيظلون ممتنعين عن تزويد إيران بالتقنية الحاسمة التي يمتلكونها ويعلمون أنها فعالة، خوفا من ترجيح الكفة. روسيا والصين لا يريدان إيران منهزمة، كونها مفتاح عقد الشرق الأوسط الذي إذا انقطع انفرط العقد كله. ولكنهم في الوقت نفسه لا يريدون إيران منتصرة، حتى لا يعيشون كابوس الهيمنة من جديد..
حتى إن استعمال الباليستي S300 الروسي من طرف إيران محكوم بقرار سياسي، لأن بوتين يريد إمساك العصا من الوسط مع الميل قليلا جهة أمريكا، فباليستي S300 قادر على إسقاط ما يمكن أن يصل إليه مدى الغطرسة الامريكية والاسرائيلية، ولكن بوتين يريد الحفاظ على نقاط الالتقاء مع ترمب الذي يحاربه في أوكرانيا بتوكيل زيلنسكي.. ليجعل من ايران ورقة مساومة اخرى يرتكب حلفاؤنا الاخطاء الاجرامية نفسها والغباء الاستراتيجي نفسه.. والايرانيون قد تنبهوا قبل غيرهم إلى ذلك...
يتبع