كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن حافظ الأسد من وجهة نظر أخرى

عمار يازجي

حين يُستدعى اسم حافظ الأسد إلى مائدة النقاش، كثيرًا ما يُستحضر على هيئة شبحٍ ثقيل، يعلوه غبار الاتهامات الجاهزة؛ بيع الجولان، العمالة لإسرائيل، بناء دولة طائفية، تصفية الخصوم، وتوريث الحكم، بينما يُغفل عمداً أو جهلاً الجانب الأكثر تعقيداً في شخصيته ومسيرته: حافظ الأسد كمهندس دولة، كضابط نهضوي لا يؤمن بالديمقراطية الغربية لكنه يقدّس مفهوم المركزية والانضباط والبنية، وكزعيم حمل مشروع تحويل سوريا من ساحة نفوذ إلى مركز ثقل إقليمي حقيقي.
الحديث عن بيع الجولان لم يكن سوى إحدى تلك الأساطير التي وُلدت في لحظة هزيمة جمعية وألم قومي، وراحت تتكاثر بفعل السخط الشعبي وانعدام الثقة، إلا أن التمعن في الوقائع، لا في الخرافات، يكشف أن الأسد لم يكن يومًا من مروّجي التنازلات، بل كان من القلائل الذين رفضوا تسوية الأرض بالسلام، وامتنع عن توقيع أي اتفاق مع إسرائيل رغم المحاولات المكثفة من أطراف دولية كبرى، وفضّل أن يُبقي الجبهة صامتة على أن تكون مستسلمة، وأن يُبقي الصراع مؤجلاً لا مختوماً بالخنوع، وكم من زعيم عربي تجرأ أن يرفع صوته في وجه الأمريكيين والإسرائيليين من موقع الندية لا التوسل. حافظ الأسد، على كل ما يُؤخذ عليه، لم يكن رجل تسويات بقدر ما كان رجل مواقف صلبة، مفرطة أحياناً في صلابتها، لكنه لم يكن خائناً، ولا باع شبراً، ولا منح صكّ اعتراف تحت الطاولة، بل ترك الحدود معلّقة، والكرامة محتفظة ببعض ما تبقى.
في الداخل، لم تكن سوريا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي جنة حريات، لكنها كانت، وهذا ما ينساه الكثيرون، دولة تُبنى، لا تتفكك، فقد توسعت الجامعات إلى كافة المحافظات، وأُنشئت آلاف المدارس العامة، وتم تطوير قطاع التعليم العالي بحيث بات متاحاً لأبناء الطبقات الدنيا، وليس حكرًا على أبناء المدن والبرجوازيات، كما تم تشييد مئات المستشفيات والمراكز الصحية التي وفّرت خدمات شبه مجانية لمجتمعٍ ريفي في معظمه كان محرومًا من الطبابة المنتظمة، أما الاكتفاء الذاتي، فكان مشروعاً مؤسسياً لا شعاراً دعائياً، وقد نجحت سوريا في إنتاج أكثر من 90% من حاجاتها الدوائية، واستثمرت في البحوث الزراعية والبيطرية والنووية، وبنت شبكة واسعة من السدود ومشاريع الري والطاقة، وقلّصت اعتمادها على الخارج إلى الحد الأدنى، حتى أن البلاد، رغم ظروف الحرب الباردة وشح الموارد، لم تكن مدينة لأي مصرف دولي، ولم تُخضع قرارها الاقتصادي لإملاءات البنك الدولي أو صندوق النقد، كما فعلت معظم الدول العربية التي رضخت لشروط الخصخصة والانفتاح المهلك.
ومن الجهة السياسية، لم تكن الجمهورية السورية مجرد بلدٍ صغير يجلس في المقعد الخلفي من التاريخ، بل تحوّلت في عهد الأسد إلى لاعب رئيسي في موازين المنطقة، من لبنان إلى فلسطين إلى الخليج، وكانت دمشق نقطة ارتكاز في خريطة الصراع العربي الإسرائيلي، وفي كثير من الأحيان، كانت بوصلته، فقد دعم الأسد المقاومة الفلسطينية حين تخلّى عنها الجميع، واحتضن حركات التحرر العربي، ورفض أن يكون ملحقًا بأجندة مصر بعد كامب ديفيد، أو تابعًا للنظام السعودي الذي كان يشتري الولاءات في بيروت وعمّان وصنعاء، ولم يكن يرضى لأحد أن يتكلم باسم العروبة من دون ثمن سياسي، بل فرض احترامه حتى على أعدائه، لأنه لم يقايض سيادته، ولا جعل من سوريا رقماً في حسابات غيره.
أما عن الطائفية، التي كثيراً ما وُظفت كأداة نقد ضده، فإن المتأمل بإنصاف يجد أن الأسد لم يعتنق الخطاب الطائفي يومًا، لا في خطبه، ولا في تشكيلاته الحكومية، ولا في هيكل الدولة، بل كان ينظر إلى الدولة بوصفها كيانًا فوق الطوائف، وإن كان قد استعان بأبناء طائفته في المؤسسات الأمنية، فليس لأنهم علويون، بل لأنهم الأكثر ولاءً في زمنٍ كان الولاء فيه أثمن من الكفاءة، وربما أكثر ندرة، ولم يمنحهم امتيازات اقتصادية أو سلطوية تجعل من سوريا دولة علوية كما يُشاع، وإنما بنى نظاماً يُكافئ الطاعة لا الطائفة، ويُقصي المعارض لا المخالف.
وإذا كان لا بد من النقد، فإنه يبدأ من آلة القمع التي توسّعت حتى باتت بنية قائمة بذاتها، لا مجرد وسيلة حماية للدولة، والتي صادرت المجال السياسي برمته، ومنعت أيّ تنفّس لمجتمعٍ كان في جزء منه متعلماً وناشطاً ومتطلعاً للمشاركة، كما أن توريث الحكم لابنه بشار، بعد إعدادٍ استمر سنوات، كان خطأً قاتلاً قضى على ما تبقى من هيبة المشروع، وساهم لاحقًا في انهيار الدولة من الداخل، إذ لم يكن حافظ الأسد، في جوهره، رجل وراثة، بل رجل مشروع، والمشاريع لا تُورّث كما تُورّث العقارات، بل تُختتم، أو تُسلم لجيل جديد يملك مشروعيته من الشعب لا من العائلة.
ومع ذلك، فإن إنصاف التاريخ لا يتم بمنطق الأبيض والأسود، ولا بمرآة الثورات أو الدعايات، بل بالاعتراف بأن الرجل كان معقداً، سلطويًا، لكنه بنى دولة فعلية وسط بحر من أنظمة مهترئة، وكان علمانيًا بعمق، لكنه أدار علاقات بالغة الذكاء مع المؤسسات الدينية، وكان قاسيًا، لكنه فهم المنطقة بلغتها، وصاغ حضور سوريا بقوة الحضور لا بخفة الشعارات، ولهذا فإن حافظ الأسد، في ميزانٍ متجرد من الحقد والتقديس، يظل أحد أبرز الزعماء الذين أعادوا رسم موقع بلادهم في زمنٍ كانت فيه الخرائط تُرسم من فوق، لا من داخل الحدود.