معن حيدر.. دفاعاً عن باسم مقصود
2025.01.14
معن حيدر
في تونس، بدأ ما سُميّ آنذاك بالربيع العربي، وانتصر التونسيون المنتفضون على نظام زين العابدين. ثم انتقل إلى ليبيا، وانتصر الليبيون على القذّافي. ثم إلى مصر، وانتصر المصريون على مبارك.
كان الشعب السوري بمجمله يتابع تلك الأحداث، مترقّبا مرورها على سوريا،
ومعظمهم كان متفائلا لأقصى حد بأنّ النظام منتهي لا محالة، وسريعا.
فأخذتهم الحميّة، وبدأ صوتهم الهامس في انتقادهم لفساد النظام والسطوة المخابراتية، يعلو ليصبح عاليا حتى في المقاهي والأماكن العامة.
أمّا أنا فقد كنتُ غير متفائل، بعكسهم.
كان شعوري الداخليّ أنّ سوريا ليست تونس وليبيا ومصر، وأنّ النظام في سوريا لن يسلّم بهذه السهولة بسبب تركيبته المعقدة والمتجذرة، وأيضا بسبب تغلغل إيران في مفاصله وبنيته التحتية، وكنتُ ألمسُ ذلك جليّا من خلال موقعي.
وكان المتفائلون ينعتوني أثناء النقاشات الحادة: بالموالي، وحتى بالشبّيح.
كنّا في هيئة الإذاعة والتلفزيون نرصد الأحداث في تونس ثم ليبيا ثم في مصر، ونواكبها أولا بأول، وبالإضافة إلى الجانب الإعلامي، كان الأساسي هو سلامة وأمن العاملين في الهيئة، وكان يتراوح عددهم آنذاك، حوالي 3000، متوزعين على كل المحافظات، منهم حوالي 1500 في مبنى الإذاعة والتلفزيون في دمشق.
ومنذ 15/3/2011 بدأتْ الأحداث في سوريا، وبدأت القبضة الأمنية تزداد قوّة وشراسة.
الأمر الذي زاد من مخاوفي على سلامتهم وأمنهم في اتجاهين:
أولا: من أي أذى مخابراتيّ قد يطالهم،
وثانيا: من أي عمل تخريبيّ، من أي أحد، يستهدف المباني وبالتالي يتسبب في إيذائهم.
وأستطيع القول أني استطعت تحقيق ذلك، ولم يتضرّر أي أحد منهم، مخابراتيا، بسبب رأيه أو صوته العالي أو أي موقف مغاير لمواقف النظام.
وأشهد أنّ الدور الذي قام به رئيس مكتب الجاهزية، كان له أكبر الأثر في تحقيق ذلك.
وبالطبع، فإنّ وعي العاملين وإدراكهم شيئا فشيئا لخطورة الموقف، ساهم في تحقيق ذلك أيضا، فغادرالبلاد من استطاع منهم، وبقي من لا يستطيع.
وللتوضيح فإنّ مكتب الجاهزية، هو المسؤول عن متابعة وجاهزية أعمال الدفاع المدني والطوارئ وأمن المنشآت وسلامتها.
أنشيء قبل العام 2010 في كل وزارات ومؤسسات الدولة، ويرتبط برئاسة مجلس الوزراء.
وقد كُلّف به باسم مقصود، وكان من أنشط العاملين في دائرة الأبنية، نشميّ يتمتّع بسمعة طيّبة، ويمتاز باندفاعه للعمل.
وبحكم موقعه ومسؤوليته في مكتب الجاهزية، أصبح منذ بداية الأحداث في 15 آذار 2011 هو المسؤول الأمني، وليس المخابراتي، عن المبنى كمُنشأة، وعن الموظفين.
وبحكم أخلاقياته وطبيعته المُحِبّة للجميع، فقد صدّ عن العاملين الأذى المخابراتي، و حمى الكثيرين منهم من الاعتقال.
كلّ ذلك بصمت، ودون أي (فشخرة) وتباهي وبعلمي شخصيا، فعلى سبيل المثال، كان يهمس بيني وبينه: معلّم في (فلان) بدّو بمعيتك.. ويغمز بعينه..
أفهم عليه، فأطلب هذا (الفلان) وأوبّخه، وأحيانا أقسو عليه بالكلام، على مبدأ الشاعر البدوي رحمه الله:
نقسو ليزدجروا
وأعتقد أنّ كثيرا منهم يقرأون الآن، ويعرفون أنّهم من أعني.
وهكذا..
مؤخرا علمتُ أن باسم مقصود قد اعتُقل للتحقيق، فأردتُ أن أشهد له وأنا مستعد لتقديم شهادتي أينما وحيثما طُلِبتْ.
شهادة حق، ليس لي فيها أي غاية أو مأرب.
لا أعرف ما التهمة الموجهة إليه، ولكني متأكد أنّها ليست تهمة إيذاء الناس ولا القتل أو التسبّب به.
وبالتأكيد أيضا لا ترقى إلى تهمة تصنيع الكبتاغون وسرقة حديد المنازل التي دمّرها النظام المجرم، وأبراج نقل الكهرباء والأسلاك.