"التفكير خارج الصندوق".. وداخله أيضاً!
أحمد حسن- فينكس
ربما كانت عبارة "التفكير خارج الصندوق" هي العبارة الأكثر ترداداً هذه الأيام، وتحديداً من قبل الفريق الحكومي، وهي للحق عبارة هامة ودالّة، لكنها، وللحق أيضاً، ليست فتحاً جديداً في اللغة ولا في كيفية التعامل مع الواقع –وللحق مرة ثالثة لم تقل الحكومة إنها كذلك- فقد جالت بها ألسن وأقلام فئة كبيرة وواسعة من المفكرين والباحثين الاقتصاديين والسياسيين، لكن أهميتها، وتحديداً اليوم، تنبثق من دلالاتها الواقعية لاتّصافها بصفتي الكشف والستر في الآن ذاته وتلك مفارقتها الأولى والأكبر.
أمّا عن مدلولها الكاشف فهي تؤشر إلى الرغبة والإرادة في اتباع سبل جديدة لمواجهة تحديات معيّنة، قديمة أو معاصرة أو مستقبليّة، وذلك ما يجب أن يكون ديدن كل حكومة وخاصة في مواجهة أزمات خارج التوقع، أو أزمات تفاقمت نتيجة معالجة خاطئة أو قاصرة فرضتها، أي الأزمة والمعالجة، ظروف مختلفة في سياق مختلف.
بيد أن المستتر أو المستور فيها –وبينهما خلاف لغوي ينوس بين الدلالة على فاعل أو مفعول به- هو ما يدعو للحذر، كي لا نقول الريبة والخوف، خاصة أن ما يلحق عبارة "التفكير خارج الصندوق" حكومياً لا يبدو، إذا ما خلصناه من بعض التعابير والكلمات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي تغطيه، سوى تسريع لعمل وتوجّه سابقين كانا مطروحين من "داخل صناديق" الحكومات السابقة فهي جميعاً عبّرت بكلمات كبيرة وعبر لقاءات ضيّقة وموسّعة عن رغبتها بالعمل مع الجميع "لاحتواء المنعكسات الاقتصادية الطارئة دولياً" وطرحت خططاً كبيرة "لأفضل الإجراءات لإدارة الموارد المتاحة وكيفية تنشيط أدوات الإنتاج، وتحصين الليرة السورية، ودعم الصناعة، وضرورة ترشيد الاستهلاك، وضمان تأمين حاجة السوق المحلية من مختلف السلع والمواد الأساسية"، وكانت نتائج ذلك كلّه ما نرى ونعاني ونكابد لا ما نسمع ونتنّدر بحدوثه بعيداً عنا في بلدان أخرى قريبة أو بعيدة.
هنا يقتضي منا الأمر إعادة التأكيد على أن أحداً لا يجادل أبداً في ضرورة "التفكير خارج الصندوق" بل إن النقاش، وهذا أمر مطلوب ومشروع، يجب أن يتركّز على حقيقة أن "التفكير خارجاً" عليه يتمثّل وينعكس "داخلاً"، فالحكومة، أي حكومة، تعمل، مهما حاولت إنكار ذلك، في إطار "صندوق" محدّد، وما يحدّد "صندوقنا" الآن أننا دولة في حالة حرب وتتعرض لحصار خارجي خانق وجائر ولعنف وفساد بعض الداخل وهذا ثانياً، لأن أولاً يقول إن "صندوقنا" محكوم بشرعية عقد اجتماعي معين قامت عليه الدولة وتغيير أحد أسسه أو اللعب بها دون تقديم بديل واضح ومناسب يصبح عصفاً أساسياً في ركائز سوريّة أساسية، وخاصة في لحظة تبدو فيها أبواب المجتمع مشرّعة أمام التحديات بعد أن تحوّلت الحكومات السابقة بكاملها عن دورها الدافع والداعم للإنتاج التنموي الزراعي -الذي يشكل الركيزة الأساس للأمن القومي والغذائي كما أثبتت التجربة- والصناعي المأمول منه مساعدة المواطن على الصمود في وجه ظلم الخارج إلى وزارات "تجارة" و"جباية" محضة، فكانت العوارض المعروفة: غلبة الاستهلاك -وبعض ظواهره، ومظاهره، مستفزّة بامتياز- على الإنتاج، والنتيجة المنطقية: استفحال الظروف المعيشية وارتفاع الأسعار، وتوسع أفقي وعامودي للفقر، ومعه الإحباط طبعاً.
خلاصة القول، بالتأكيد يجب القيام بجهود جبارة وغير تقليدية للخروج من مآزقنا الراهنة، وبالتأكيد هناك "مطارح" ومؤسسات يجب أن تخرج منها الدولة وتتركها للقطاع الخاص الذي يحسن إدارتها أفضل منها بكثير، وبالتأكيد أيضاً يجب تصويب العلاقة غير السويّة التي بُنيت بين الحكومة المواطن خلال العقود الماضية، لكن، وبالتأكيد مرة جديدة، أن هناك طرقاً وسبلاً محدّدة، مطروقة ورابحة، لخروج الدولة من هذه القطاعات، كما أن هناك ضرورة ملحة إلى بناء سريع لعلاقة جديدة مع المواطن أسّها الأكبر مفهوم المواطنة الحقة لا مفهوم الرعية التقليدي.
لذلك لا يجب ترك ملف "التفكير خارج الصندوق" في أيد اقتصاديين تكنوقراط همهم الوحيد هو توازن الموازنة مثلاً، ولا بأيد سياسيين يبحثون عن "نصر" سريع، بل بأيد خلاقة تجمع ما بين الخبرة والكفاءة والوعي العميق بالركائز السورية خارج الصندوق وداخله أيضاً، فحتى الآن يبدو أن ما سنراه لاحقاً مجرد "صندوق بارد صقيعي مفرّغ من كل شعور أو حرارة إنسانية" وهنا الخطر والخطورة في آن معاً.
هامش بمرتبة المتن: حين قرأ بول كيندي في "نشوء وسقوط القوى العظمى" لمدة خمسمائة عام من تاريخها أي منذ عام 1500م وحتى أواخر القرن الماضي وجد أن النصر أو الهزيمة كانا حصيلة للاستثمار الكفء بصورة أو بأخرى لمصادر الإنتاج الاقتصادي لهذا البلد، أو ذاك، إبّان حربه، وبكلمة أخرى: إنهما حصيلة للطريقة التي كان بها اقتصاد ذلك البلد ينمو أو ينهار مقارنة بالآخرين.