د. بهجت سليمان: لقاء في عام 2000 مع د. أسامة الباز مدير مكتب الرئيس المصري للشؤون السياسية
في منتصف عام 2000 وبعد التحاق القائد الخالد حافظ الأسد بالرفيق الأعلى، بفترة قصيرة. كان الدكتور "أسامة الباز" وكيل وزارة الخارجية المصرية ومدير مكتب الرئيس المصري للشؤون السياسية "أسامة الباز" بزيارة إلى دمشق..
وقد أعلمني السيد "علي عبد الكريم" مدير عام "وكالة سانا" الجديد حينئذ، ومدير مكتب سانا السابق في "القاهرة" بوجود الدكتور الباز مع زوجته في دمشق، فدعوتهما للعشاء مع السيد علي عبد الكريم وزوجته، في مطعم "الدوار" بفندق "الشام" بدمشق...
وخلال العشاء، روى لي الدكتور الباز، الرواية التالية:
في منتصف عام 1987 وقبيل نهاية الحرب العراقية - الإيرانية، كلفني الرئيس حسني مبارك، بنقل رسالة للرئيس حافظ الأسد.. وكانت تباشير عودة العلاقات بين سورية ومصر، في ذروتها.. وبعد أن انتهيت من نقل رسالة الرئيس مبارك للرئيس الأسد، قلت للرئيس الأسد: سيادة الرئيس، هناك سؤال يشغلني دائما، فهل تسمح لي بتوجيهه لسيادتكم؟
فأجابه الرئيس الأسد: أسأل ما تريد يا أسامة.
فقلت له: سيادة الرئيس الأسد، من المعروف عنك شخصيا، مدى وطنيتك وعمق عروبتك.. ولكن ما يحيرني، منذ سنوات، هو كيف يمكن لرجل قائد عروبي مثلكم، أن يقف مع الفرس ضد العرب، في الحرب العراقية - الإيرانية؟
فابتسم الرئيس الأسد وقال لي: ياأسامة، وهل تعتقد بأنه لو كانت الحرب حقا، عربية - فارسية، ولو بنسبة واحد بالمئة.. هل كان يمكن لي أن أقف إلا في الجانب العربي؟! هذه الحرب، ياأسامة، لا علاقة للعرب ولا للعروبة بها، بل هي حرب شخصية لـ"صدام حسين" على حساب العرب والعروبة، وضد ثورة إيرانية وليدة، انتقلت بإيران من خانة التبعية لـ"إسرائيل" إلى خانة العداء لها.
وفور الإنتهاء الذي بات وشيكا من هذه الحرب، سوف يعمل "صدام" على تشكيل "مجلس تعاون" شبيه بمجلس التعاون الخليجي، وقد يسميه "مجلس تعاون عربي" لكي يكون غطاء له، من أجل الإستمرار بالحرب، ولكن على جبهة ثانية، هذه المرة.
فقلت له: أيّ جبهة ثانية، ياسيادة الرئيس؟
فأجابني: جبهة الخليج العربي، وقد يبدأ بالكويت.
حينئذ - حسب قول الدكتور الباز - قلت بيني وبين نفسي "ِضيعانك ياحافظ الأسد، لأن ذلك لا يمكن ورودُهُ في عَقْلٍ سليمِ التفكير"! وانتهى لقائي مع الرئيس الأسد، وأنا أفكّر أثناء عودتي إلى القاهرة، بكيف يمكن التفكير باحتمال قيام "صدام حسين" بغزو الخليج، وهي الدول التي وقفت معه ومَوّلت حربه ودعمته بكل ما تستطيع طيلة فترة الحرب مع إيران!
وبعد ثلاث سنوات، وفي الخامس والعشرين من تموز عام 1990، كلّفني الرئيس مبارك، بحمل رسالة للرئيس "صدام حسين" ينقل له فيها تخوف "الكويت" من احتمال قيام العراق بشن حرب عليها.. فأجابني الرئيس "صدام": هذه أوهام في عقول الكويتيين.. وهم الذين يتَعَدّون على العراق، و يسرقون نفطه في المنطقة الحدودية المشتركة.. و سَلِّمْلي علي سيادة الرئيس مبارك، وطَمْئِنْهُ بأنه لا وجود لدينا في العراق، لأيّ شيء من تلك الأوهام. وفور عودتي للقاهرة، نقلْتُ جوابه للرئيس مبارك.
وبعد ذلك بأسبوع واحد فقط، وبعد منتصف ليلة الواحد من آب، وفي الساعة الواحدة من صبيحة الثاني من آب، جرى إعلامنا في مصر، بأن الجيش العراقي في طريقه إلى الكويت، وهو على وشك احتلالها..
وأكملَ الدكتور "أسامة الباز" حديثه لي بقوله: لم يخطر لي في تلك اللحظة، إلّا الرئيس حافظ الأسد وما قاله لي منذ ثلاث سنوات، عندما استهجنْتُ قوله ذاك.. وقلت لنفسي - كما يقول الباز - : (ياسبحان الله، واللهِ، كأنّ حافظ الأسد كان يقرأُ في كتابٍ مفتوح.. وكُلّ ما قاله قد حدث، مما لم نكن نراه جميعاً.)