مخاطر الدعم العربي للهجوم الإسرائيلي على المنشآت النفطية أو النووية الإيرانية
د. طارق ليساوي
أشرت في مقال “على خلفية خطاب المرشد الإيراني: حلم الصـهاينة يتجاوز حدود فلسـطين ويشمل كامل المنطقة وشعوبها من طنجة إلى جاكارتا…” إلى أن موقف إيران يستحق منا الإشادة والتنويه وبخاصة الخطبة التاريخية التي ألقاها المرشد الإيراني بالعاصمة طهران يوم 04-10-2024، تأبينا لزعيم حزب الله حسن نصر الله، فمن خلال تتبعي للخطبة ودلالاتها الرمزية واللغوية، فإن الرجل لم يقل إلا صدقا وموقفه من فلسطين والمسجد الاقصى والمـقـاومة مشرف جدا وخطابه يحمل إشارات طيبة وتصالحية ينبغي البناء عليها للخروج من دورة الخلافات الهامشية، وإنقاذ المنطقة من هجوم صهيو-صليبي يستهدف كامل المنطقة وشعوبها ومواردها، وأتفق مع المرشد في قوله بأن ”كل ضـربة تنزل بالكـيان الغاصب هي خدمة للمنطقة ولكل الإنسانية”، وأن “هدف امريكا تحول الكـيان الصهيـوني الى بوابة لتصدير الطاقة من المنطقة الى بلاد الغرب واستيراد البضائع من الغرب للمنطقة.. السلوك السفاح والوقح للكيان ناجم عن تحقيق هذا الهدف”..
- تفجير حرب إقليمية
فمصلحة الكيان الصهيوني إشعال المنطقة وتفجير حرب إقليمية تكون بأموال ودماء أبناء المنطقة، مستغلا حالة الصراع والخلاف الطائفي بين قطبي الأمة الإسلامية، فمنصات الكيان الإعلامية وذبابه الإلكتروني يستثمر بكثافة في إشعال فتيل الفتنة المذهبية، وتجييش السنة ضد الشيعة، والواقع أننا في هذه المرحلة الفاصلة أمام مذهبين لا ثالث لهما إما مذهب المقاومة أو مذهب الصهيونية، ولا وسط بين المذهبين، وأرى أن انخراط بعض النظم العربية في هذه الأجندة يضر بأمنها واستقرارها، خاصة وأن الكيان الصهيوني وقادته يصرحون بأن بلدان عربية مشاركة في القصف الذي تعرضت له اليمن، وأيضا مشاركة في أي رد على ايران..
- حماية الكيان:
وقد رأينا كيف أن الدفاعات الجوية الأردنية قد قامت بإعتراض بعض الصواريخ الإيرانية المتجهة لفلسطين المحتلة، وعرضت مواطنيها للخطر، ونتساءل هل هذه الدفاعات ستعمل لمواجهة الصواريخ أو الطائرات الصهيونية التي تخترق المجال الجوي الأردني في حالة قيامها بهجمات مضادة باتجاه إيران، وقد رأينا كيف سرب الطيران الصهيوني صورا للسعودية وهو في طريقه لقصف ميناء الحديدة قبل أيام..
- موقف الحياد:
ونخشى أن تنجر بلداننا العربية والبلدان الخليجية لهذه المواجهة، فمصلحة المنطقة تقتضي الابتعاد ومعارضة الاجندة الصهيونية، وإذا كانت عاجزة عن تقديم الدعم المباشر للمقاومة والدفاع عن غزة ولبنان بالوسائل السياسية والدبلوماسية والإعلامية المتاحة والممكنة، فعلى الأقل تتبنى موقف الحياد والابتعاد عن تقديم الدعم المباشر أو غير المباشر للصهاينة..
- خارطة أهداف إسرائيل:
فـ”النتنياهو” بعد هجمات إيران بالصواريخ الباليستية والفرط صوتية، وبعد فشل القبة الحديدية في التصدي للهجمة، ونجاح أغلب الصواريخ الإيرانية في قصف أهدافها بدقة شديدة، فـ”النتنياهو” يهدد بالرد ويقول بأن خارطة الأهداف المقبلة، المنشئات النفطية والمنشئات النووية الإيرانية، وأي تهور من هذا القبيل كفيل بإشعال حرب إقليمية واسعة..
- مخاطر مؤكدة:
فقصف المنشئات النفطية سيؤدي حتما إلى اشتعال في أسعار الطاقة على المستوى العالمي، وهذا الأمر سيفيد ويقوي روسيا ويضر بمصالح إمريكا خاصة في لحظة السباق الانتخابي.. ويدخل الاقتصاد العالمي في أزمة عالمية غير مسبوقة، لاسيما وأن هذا الاقتصاد لازال لم يتعاف من دورة الأزمات المتتالية، وهجوم كهذا سيؤدي إلى رد فعل إيراني، وبنظري النفط الخليجي سيكون نقطة الاستهداف، وإيران تملك القدرة على الرد وستملك المبرر القانوني والشرعي للرد، وفي حالة إستهداف البنية التحتية النفطية في الخليج، فهذا الأمر كفيل برفع سعر البرميل إلى أزيد من 200 دولار.. هذا إلى جانب الاضرار بالبلدان الخليجية المنتجة التي ستكون أول المتضررين، لإعتماد ميزانياتها على عائدات النفط، كما أن مشاريعها تقوم على فرضية الأمن والاستقرار، وأي هزة تصيب المنطقة ستعرضها لدورة أزمات ومن غير المستبعد أن تقود لقلاقل إجتماعية ستقود إلى الإطاحة بنظم سياسية، خاصة وأن حدة الغضب المكتوم قد بلغت ذروتها، فمن غير المقبول لا عقلا ولا واقعيا أن تكون الشعوب الخليجية مغيبة عن الجرائم الوحشية التي ترتكب في غزة ولبنان، وهذه الشعوب كانت إلى وقت قريب أهم داعم للمقاومة والقضية الفلسطينية..
- الحكمة الإيرانية:
وإلى حدود الساعة فإن الرد الإيراني لا زال في حدوده الدنيا، والقيادة الإيرانية تعمل على إرسال رسائل لمن يهمهم الأمر بأنها لا تسعى لتوسيع دائرة الحرب، وردها يستهدف حماية ماء الوجه والرد في إطار ما يتيحه القانون والأعراف الدولية، وأنها تعمد وتحرص على جعل الأضرار البشرية والمادية في صفوف الكيان في حدودها الدنيا، وليس في ذلك عجز إيراني وإنما الرد الإيراني الأخير مدروس بدقة ويعبر عن ذهنية القيادة الإيرانية المتخوفة من خروج المواجهة عن السيطرة..
- التهور الصهيوني:
لكن في الضفة الأخرى نجد أن القيادة الصهيونية متطرفة إلى أبعد حد، وتحلم بكسح وتحييد أعدائها في دفعة واحدة، وإنهاء كل تهديد إقليمي أني أو مستقبلي، وترى بأن الفرصة سانحة لمواجهة إيران وقص أظافرها، والواقع أن إدارة بايدن تدرك خطورة التهور الصهيوني، فهي تحاول فرملته بإبعاد التهديد عن المنشئات النفطية والنووية، وفي حالة قصف المنشئات النووية الإيرانية، فإن هذا السلوك سيكون من نتائجه المؤكدة إحراق الأخضر واليابس في عموم المنطقة، فإيران بتبنيها سياسة المهادنة وخفض التصعيد، تحاول تجنيب البلاد من التهديد الأكبر، ولا تهديد أكبر من قصف الحلم النووي الإيراني، الذي قدمت فيه إيران قيادة وشعبا موارد وتضحيات هائلة، وفي حالة قصفه فإن هذا الحدث الدرامي سيؤدي إلى إبادة الكيان وحلفائه في المنطقة..
- القنبلة النووية الإيرانية:
هذا إذا لم تكن إيران أصلا قد نجحت في الحصول على القنبلة النووية، لكنها لا زالت مترددة في الإعلان عن ذلك، خاصة وأن القنبلة النووية لوحدها غير ذات أهمية ما لم تتوفر على صواريخ ولوجستيك لحمل الرؤوس النووية إلى أهدافها، وعلينا إستحضار تجربة كوريا الشمالية، وأعتقد ان إيران تسير على الخطى نفسها لكوريا الشمالية..
وإذا لم تتمكن إيران بعد من الحصول على القنبلة النووية، فإن أي هجوم موسع، سيدفع القيادة الإيرانية إلى تسريع خطواتها لتفجير قنبلتها النووية، للخروج من دورة التهديدات غير المسبوقة التي تحاصر إيران.. وإذا حصلت إيران على القنبلة النووية ونجحت في الحصول على سلاح الردع النووي، فإن البلدان العربية بدورها ستصبح مطالبة بالحصول على القنبلة النووية، وستشهد المنطقة سباقا نوويا غير مسبوق..
- أُكِلْتُ يوم أُكِل الثور الأسود:
إن موقف البلاد العربية والإسلامية على وجه العموم، هو تجسيد للمثل الشائع ”أُكِلْتُ يوم أُكِل الثور الأسود..” إن تفريط البلاد العربية في أمن بعضها البعض، وتحالفها مع قوى أجنبية ضد بني جلدتها جعلها مجالا مفتوحا لكل أشكال الابتزاز، كما أن اعتماد النظم الحاكمة على المظلة الخارجية للبقاء في كراسي الحكم ومعاداتها لشعوبها، جعل موقف هذه الأنظمة ضعيفا من ناحيتين:
أولا- فهي أنظمة عارية من كل شرعية، لذلك لا تستطيع مواجهة الأجنبي الذي يدرك افتقارها لحاضنة شعبية تحميها ضد ابتزازت “ترامب” و“بوش” و“بوتين” و“نتنياهو”..
ثانيا- أنها فاقدة للإرادة فهي لا تستطيع العودة لشعوبها، فالشعوب فقدت الثقة في هذه الأنظمة وتنتظر لحظة زوالها بفارغ الصبر..
- بدائل تدعو إلى التفاؤل:
من دون شك، أن الوضع الحالي للمنطقة العربية جد معقد وأن حجم التهديدات يتسع، لكن مع ذلك هناك بدائل تدعو إلى التفاؤل، إن قوة المنطقة اليوم ليس فيما تملكه من أسلحة.. فمهما يكن حجم هذه الأسلحة فهو لن يضاهي ما تتوفر عليه القوى العظمى. لكن قوتها – المنطقة العربية – تكمن في إرادة الشعوب وثباتها العقائدي، فشعوب المنطقة رغم حالة التجهيل والتفقير الممارس عليها من قبل أنظمة غاشمة تحظى بغطاء أجنبي.. إلا أن هذه الشعوب لازالت تؤمن بأحقيتها في تقرير مصيرها وهذا ما تأكد بعد معركة وملحمة طوفان الأقصى..
- الخروج من حالة الوهن:
نود حقيقة أن تخرج المجتمعات العربية والإسلامية من حالة الوهن الراهن، وأن تصبح سيدة قرارها داخليا وخارجيا، قد يبدو هذا الأمر بعيد المنال في ظل الوضع الراهن، لكن ليس هناك مستحيل أمام إرادة الشعوب. فإذا خلصت النوايا ورجع حكام المنطقة عن غيهم وتصالحوا مع شعوبهم يمكن تغيير واقع المنطقة، وفي كل الأحوال فإن وضع الاستبداد لن يدوم طويلا فلإرادة التغيير قوة دافعة إذا انطلقت من الصعب إرجاعها عن مسارها..
- تغيير قواعد اللعبة:
فالتحدي أصبح بين أيدي الشعوب التي بإمكانها تغيير قواعد اللعبة محليا ودوليا، والتحدي الذي يواجه المنطقة هو تحصين الجبهة الداخلية وتحرير الإرادة الشعبية وبناء نظم اقتصادية وسياسية واجتماعية عادلة ومعبرة عن إرادة الناس، ونبذ الفرقة المصطنعة بين الشعوب العربية والإسلامية ففي الوحدة والتكتل الاقتصادي والعسكري قوة، وبمثل هذا المجهود الجمعي يمكن بناء عناصر القوة التي بمقدورها وقف كل قوة معادية..
- مصالح الإقليم:
فمصالح بلدان الاقليم هو خلق بيئة سلمية على امتداد الإقليم العربي والإسلامي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي ومكافحة الفقر والتهميش، بدلا من إنفاق ملايين الدولارات من أموال هذه الشعوب المغلوب على أمرها، من أجل تكديس أسلحة، نعلم جميعا أنها لن تحقق الأمن والسلم بل الأدهى أنها أصبحت تستعمل في حماية العدو الأول والأخطر للأمة…
اللحظة الراهنة أيضا تقتضي تجاوز بذور الشقاق والخلاف الطائفي والمذهبي والحرص على تغليب القواسم المشتركة بين شعوب ودول المنطقة وأهم قاسم مشترك العدو الصهيوني الذي لا يميز بين سني وشيعي وملحد وبين عربي وإيراني وباكستاني وتركي.. وينبغي ان تتجه أسلختنا إلى هذا العدو حصرا وتحديدا، والابتعاد عن كل دعوات مواجهة إيران بالسلاح فهذه الدعوات صهيونية الهدف والمصدر…
تحييد الخطر الإيراني يكون بتغليب منطق الوحدة والحوار، وتعزيز التعاون العربي –عربي والعربي – إسلامي، وبدلا من إنفاق الملايين في تكديس الأسلحة وطلب الحماية الأمريكية والصهيونية، نتمنى تفعيل التعاون الإقليمي واحترام قواعد الجوار.. فأين المشكلة بالنسبة لنا كعرب ومسلمين إذا حصلت إيران على سلاح نووي؟
فمادام الكيان الصهيوني يتوفر على هذا السلام، فمن حق إيران أن تحصل عليه تأمينا لأمنها وردعا لكل تهديد، وقياسا على ذلك من حق السعودية ومصر والمغرب والجزائر الحصول على السلاح نفسه والسوق مفتوح والدولارات متوفرة، فهل الأمر جائز لإسرائيل وحرام على إيران أو السعودية أو مصر…؟ فالعداء العربي – الايراني عداء غير ذي معنى.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
كاتب و أستاذ جامعي