الليلة العصيبة...
2023.02.12
وائل علي- فينكس:
لن ينسى السوريون ماحيوا وقائع وتفاصيل تلك الليلة العصيبة "ليلة الحقيقة" وما تلاها التي استفاقوا فيها مذعورين مدهوشين غير مدركين لوقائع زلزلة واهتزار الأرض التي خذلتهم ليهيم الناجون في محافظات اللاذقية وحلب وحماة وادلب التي أعلنت محافظات منكوبة إضافة لمحافظة طرطوس على وجوههم بثياب نومهم محتضنين فلذات الأكباد والأهل في عتم الليل الدامس ودرجات الحرارة التي لامست الصفر أو دون وريح هوجاء ماطرة فاقت المئة كم/س وبحر غاضب، ومن لم يمهله القدر ابتلعته أسقف البيوت المنهارة والجدران المتكسرة التي تحولت في لحظات لقبور مفتوحة...!!
أما وقد وقعت الكارثة فثمة الكثير من الأسئلة التي تفرض نفسها وتحتاج لتوضيحات وإجابات، سيما أن منطقتنا تصنف ضمن حزام الصنف الثاني الخطر زلزاليا أي في المنطقة الوسطى بين ما يعرف بحزام النار والحزام العادي الشدة، وقد ضرب الخبير الجيولوجي الهولندي "مارك" الذي ذاع صيته مؤخرا موعدا زمنيا يقينيا للزلزال وحدد شدته وموقعه في تغريدته الشهيرة لكننا لم نستفد معها شيئا...!؟
وبغض النظر عن دقة أوعدم دقة الإنذارات التي أطلقت فإن ماجرى قد جرى وليس أمامنا إلا لملمة جراحاتنا واستجماع قوانا لاستكمال رفع الأنقاض وتسريع البحث عن ناجين محتملين لا زالوا عالقين "ربما" تحت الأنقاض وتقديم الدعم النفسي والطبي والاجتماعي الإنساني والاقتصادي للناجين الذين خسروا كل شيء ومن المؤكد أن لا أحد يعوضهم عن الأعزاء الذين فقدوهم لكن الأكيد أيضا أن تكاتفنا ووقوفنا مع بعضنا البعض يساهم إلى حد كبير في التخفيف من حدة وجسارة وقساوة المشهد، وهذا ليس بغريب ولا عجيب لأنه من طبع العائلة السورية، وهاهي قوافل المتطوعين والمتبرعين السوريين تأتي من كل حدب وصوب باندفاع وتفان لا حدود له ولا سقف على كل المستويات، حتى وفود وفرق الإنقاذ من الأشقاء والأصدقاء بدأت تتوافد بمعداتها وتجهيزاتها بكثافة إلى المطارات والمعابر الحدودية للمؤازرة والمساهمة بتقديم العون والدعم...
المهم الآن التعجيل برفع الأنقاض وإنقاذ مايمكن إنقاذه فالوقت ثمين ويمر ولا بد من الاستفادة من كل لحظة علها تمكننا من إنقاذ حياة إنسان قبل فوات الأوان، لنبحث لاحقا أين أخطأنا وقصرنا ولماذا، وهل كان بالإمكان تفادي ما كان عبر نظام ضابطة بناء استثنائي يحاكي أننا نقطن منطقة زلزالية لم تعرف عبر تاريخها الاستقرار الجيولوجي ولا التكتوني، لكن ذلك لا يمنع أبدا من فتح سجلات وأضابير تراخيص البناء والإشراف والتنفيذ والتدقيق على الأبنية التي تداعت وسقطت أو أنها آيلة للسقوط بحيثياتها وتفاصيلها إيذانا بملاحقة ومحاسبة المتورطين والفاسدين والمتقاعسين والمرتشين بلا هوادة وعلى الملأ...
بالتوازي نجد أنه بات من المهم إعادة النظر بشكل صارم وحازم بكود البناء المعمول به في بلادنا لاسيما ما يتعلق بالزلازل والتشدد إلى أقصى الحدود بمنح تراخيص البناء والتدقيق بالمخططات والإشراف الحقيقي وليس الصوري على أعمال التنفيذ والبناء والاستئناس بتجارب الدول الزلزالية كإيران مثلا التي انتقلت لنظام بناء مختلف كليا يتواءم مع الطبيعة الزلزالية للأرض يستخدم اللدائن المعدنية ونوابض خاصة تمتص الصدمات والاهتزازات الأرضية الارتدادية، بدل الاسمنت والبيتون...
إن محنة الدرس الزلزالي السوري الرهيب الذي نعيش إرهاصاته وتبعاته الأليمة تفرض علينا لزاما التعلم منه والاستفادة من دروسه القاسية إلى أبعد الحدود والتعامل مع حقيقة أننا نعيش في منطقة زلزالية خطرة لايستطيعن أحد في الكوكب تغييرها لكننا نستطيع التعامل معها بطريقة مختلفة لتفادي ويلاتها والنجاة من مآسيها وماتتسبب به من دمار وخراب لا نقدر حمل أوزارها وتبعاتها...