كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نافذة فينكس.. نزيف بشري خطير!

التحوًل لمجتمع المعرفة والأعمال الإلكترونية بشكلها الحديث ليس شعاراً براقاً بل منظومة عمل متكاملة، أهم مرتكزاتها تحفيز الكوادر البشرية، وتوفير كل السبل والوسائل لها لكي تبدع وترتقي بأداء الأعمال، وفتح كل الأبواب المساعدة. ونحن في زمن العولمة والعالم المفتوح الذي يستقطب العقول والشباب المؤهل المبدع، وبكل المحفزات المادية، التي تغري جيل الشباب للتوجه إلى الهجرة خارجاً، وتالياً خسارة مورد بشري مهم لدينا، سيشكل فيما بعد خسارات كبيرة في بنية المجتمع وحركة التطور والأعمال..

هني الحمدان
تركت الحرب والإرهاب والحصار الاقتصادي الجائر على سورية آثاراً سيئة لم تسلم منها أي من القطاعات، وبعد موجات الغلاء وحالة التضخم وبطء نمو الاقتصاد والإنتاج، وغلاء المعيشة، وتزايد نسب البطالة وارتفاع حدة الفقر، أمام قلة الدخل مع المتاح، بدأت هجرة الشباب والعقول من الشباب السوري للخارج، كانت سمة الهجرة الأخيرة أنها بسبب الضيق الاقتصادي والمادي أمام جيل من الشباب لم يعد بمقدوره تأمين مصروفه الشخصي اليومي فقط ، لا يقدر على توفير حاجاته الأساسية من ملبس ومأكل، أما العمل المناسب وشراء بيت العمر فهي ضروب من الخيال وربما من المستحيلات في زمن لم يعد لأي قوة مالية قدرة على توفير سبل العيش المناسبة.
ما حصل أن أفواجاً من الشباب السوري، قسم منهم لم يدخل سوق العمل بعد، هاجر للخارج وينسب ملحوظة، والقسم الآخر من العاملين في بعض دوائر العمل الرسمية ترك وهاجر ناشداً وضعاً اقتصادياً أفضل..!
لا نلوم من هاجر أو من سيهاجر بحثاً عن حياة أفضل له ولعائلته، وبحثاً عن بيئة خصبة تساعده على التطور واستغلال كل إمكاناته وقدراته بالشكل الأمثل، ولا نلوم البلدان المتقدمة التي فتحت المجال واسعاً لاستقطاب هذه العقول، ومن ثم زجّها في مجالات مناسبة لتعطي إنتاجاً متطوراً، فالواقع لا يحتاج إلى مكاشفات و"تشمير" عن السواعد، فالكل يعلم مدى تفاقم أرقام هجرة الشباب، أمام سكوت الجهات الرسمية، فكثيرة هي المؤسسات والإدارات التي تعالت أصواتها ومناشداتها حيال فقدانها للأيدي العاملة العادية، ومدى حاجتها لأصحاب الشهادات والاختصاص، فما أصعب أن تشكو شركات صناعية وإنتاجية اقتصادية قلة الكادر البشري أمام النزيف البشري و الهجرة خارج حدود الوطن..!
لكن في كل هذه الأوقات أصبح جليّاً أن الشباب السوري صار يواجه مصاعب حقيقية على كل الأصعدة، وعلى الجهات المعنية تدارك ذلك سريعاً. وظائف شحيحة في القطاعين العام والخاص على حد سواء، فاقة وفقر وضعف مداخيل لا تستطيع توفير شروط حياة يومية، حاجات ومتطلبات زادت وبشكل مضاعف، ولا بوادر في الأفق توحي بأن متغيّرات جديدة ستطرأ على سوق العمل والاستقطاب المناسب والتحسن في المداخيل الشهرية.. كلها أسباب ضاغطة على جيل اصطدم بمفرزات ضخمة ومؤلمة، في وقت عاشت البلد ظروفاً صعبة من تداعيات الحرب والإرهاب والحصار وقلة السلع والمواد الأساسية، ما قلّل الفرص المناسبة لحياة أفضل.
كل ما ذكرناه من جوانب اقتصادية مادية، ولم ندخل بعد في آثار الهجرة على تركيبة المجتمع والتغيرات المجتمعية التي ستطرأ لاحقاً من كوارث وهزات ليست بالأمر اليسير...!
لا ندخل في أرقام تفاقم نسب البطالة، ولا بتدني الأجور ولا بالغلاء والتضخم، ولا بالإعلان الحكومي عن استقطاب ستين ألف فرصة عمل جديدة أمام جيش من المتعطلين الحالمين بحياة أفضل، لم يعودوا ينتظرون حتى فرصة الوظيفة... من هنا تأتي المسؤولية، وهي مسؤولية الجميع، من خلال المباشرة
بمعالجة الملفات الساخنة كالمتعلقة بالإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد، والأهم تطوير سوق العمل وخلق الفرص التي من شأنها إغراء الشباب وإبعاد فكرة الهجرة إلى الخارج، مع تحقيق الحد الأدنى من طموحات شبابنا على كل الأصعدة والميادين، من باب أن مشكلات ومسائل الشباب من أهم مسائل العالم قاطبة..
طرح حلول ومعالجات جديدة من شأنها الالتفاف على أي تطلعات لجيل الشباب قد تبعدهم عن بلدهم ضرورة باتت اليوم ملحّة..!