كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نافذة فينكس.. أموال ضخمة بلا تشغيل!

هني الحمدان- فينكس

 هل توظيفات المصارف مقنعة؟.. أموال ضخمة مركونة في الزوايا المعتمة بلا تشغيل!.. وهل البقاء على إعطاء نسب صفرية على الإيداعات أمر مصرفي محمود؟ وهل فكرت إدارة السياسة المصرفية لماذا وصل حجم الإيداعات ممن فضلوا الفوائد على التشغيل إلى أرقام قياسية؟

أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات.. إلا أن سياسة المراوحة هي المفضلة.. فهل بمقدور هذه السياسة فتح قنوات تشغيلية جديدة..؟

لو جاز لنا أن نسمي عام ٢٠٢١ فقد يمكننا بعد كم الأزمات والمشكلات الاقتصادية وحالة الغلاء والنقص في بعض السلع والمواد أن ندرجه بالعام "السوداوي". كان مليئاً بالمفآجات السعرية الحادة، وترافق مع انتشار وباء كورونا الذي بدأ يتسرب وينتشر مع الأشهر الثلاثة الأولى، لتكون له انعكاسات سلبية على القطاعات، وأقصد هنا القطاع الاقتصادي، وكل ذلك مترافق مع الحصار المفروض والجائر على سورية.. لكن بالنسبة لقطاعات أخرى كان عاماً مهماً سياسياً وعسكرياً.

ليس في سورية.. فاقتصادات معظم الدول غرقت في أسوأ ركود وكساد لم يكن لهما مثيل إلا في سنوات الثلاثينيات الماضية.. فالأيام القاسية اقتصادياً واجتماعياً التي نشهد فصولها يومياً ستتذكرها الأجيال القادمة، وسيرويها الآباء لأبنائهم، فخلال السنتين الأخيرتين عاشت الشعوب - ونحن ضمن هذا النطاق- حالة ضرر وفاقة وضيق، وفوق ذلك قلق من الإصابة بالوباء وتكاليفه المرهقة على الأسر الفقيرة وما أكثرهاً، لم يعد مدخولها يؤمن لها قوت يومها.. إذ تأثرت القطاعات الإنتاجية وغيرها، فانكمش الاقتصاد، وتباطأت حركة النمو، لدرجة التوقف، فحصل التضخم وضعفت القوة الشرائية، و ازدادت أسعار السلع عشرات المرات، وبات الهم المعيشي الشغل الشاغل أمام قصور في إيجاد مخارج تنموية من جانب الجهات الرسمية، إلا ضمن نطاقات محددة حصلت مؤخراً عبر إصدار بعض التشريعات التي وجهت رؤوس الأموال تجاه المشروعات الصغيرة لدورها التنموي المهم، ومن ثم تحريك عجلة الإنتاج انطلاقاً من الفرد أولاً..
على التوازي والشيء المهم أنه كان هناك غياب شبه تام عن ملامسة خدمات مصرفية أو مشاريع تنموية تحقق الرضا لطرفي المعادلة، المصارف تقوقعت تماماً وفضلت عدم الخوض في غمار فتح قنوات تشغيلية جديدة، والمواطن ظل ينشد منحه قرضاً ولو بضعف راتبه، والأغرب حقاً ذاك الإجراء الذي سلكت وفق منظوره المصارف مجتمعة، وهو تقليل نسبة الفوائد على الودائع، وعدم تشغيلها بالطريقة الأسلم، لدرجة أن الأموال تضخمت بلا اي استثمار، وأيضاً الودائع تركت مركونة في الزوايا تبحث عمن يقوم بتشغيلها وفق آليات مصرفية سليمة، لعل في ذلك يتحقق عمل يعود بالفائدة، فلا الزبائن رضوا وحصلوا على مايرغبون للاستثمار وتشغيل إيداعاتهم على قلتها، ولا المصارف أفلحت في كسر طوق النمطية التي تحكم آلية عملها، وإيجاد قنوات للتشغيل تؤدي الغرض الكامل..
اليوم ودائع ضخمة تغصّ بها مستودعات المصارف المخصصة لحفظها، بلا استثمار وتمويل، محجورة بحجة عدم المخاطرة والخوف، لا بل قصور في الرؤى المصرفية القادرة على سنّ إجراءات وأشكال تخرجها من قفص حبسها إلى حيز العمل والإنتاج، وتوسيع أبواب التمويل السهل، وإعطاء نسب كبيرة للفوائد على الإيداعات، لا أن تبقى في المستوى الصفري المتدني جداً، فلا الزبون راضٍ، ولا حققنا الهدف من تجميع أموال بلا حركة إنتاجية وتمويلية مستمرة..!
أكثر من ٣،٣ ألف مليار ليرة إجمالي ما أودعه السوريون في المصارف للحصول على فوائد "حسب تقارير للمصرف المركزي ومؤشرات العمل لعام ٢٠٢٠..."، والسؤال هنا: إلامَ يدل مثل هذا الرقم الكبير..؟ هناك رؤوس أموال.. لكن جلّها جبانة.. لا تحب الدخول في حلقات إنتاج جديدة، فضّلت الأماكن المضمونة الجانب، والأمر برمته أصاب المصارف بالعدوى، لتفضّل الأخيرة بدورها عدم العمل في تشغيل الإيداعات وتحريك السيولة، تحت حجة الخوف من المجازفات والمخاطرات، وهذا أسلوب التفكير النمطي البعيد كل البعد عن الفكر المصرفي الذي يمتاز بخصوصية المرونة ومواكبة الأحداث والمستجدات الحاصلة على مستوى العالم وخدمات مؤسساته المصرفية الحديثة.
طريقة استمرار التضييق السائرة وفقها المصارف حالياً لن تجلب إلا المزيد من حلقات الروتين والتكدس بتموضع الأموال بعيداً عن رسم أشكال وقنوات تمويلية وتشغيلية حديثة، في ظل الضرورة للتوجه السريع نحو منح نسب أعلى على الودائع لما في ذلك من استقطاب وتحفيز على ضخ العملة وفق طريقي الاستقطاب والعطاء.. فإن استمر توجه كهذا فهو غير مقبول و خاصة مع حالة التعطّش في السوق للقروض ،واليوم عادت مئات المنشآت الإنتاجية والصناعية والورش وقطاعات في الزراعة والحرف والصناعة إلى ما كانت عليه سابقاً من جهة عملها، فمن غير المعقول أبداً أن تستمر حالة المراوحة في المكان إلى فترات أطول وأبعد، فمنح مظلات ائتمانية وتوظيفات جديدة لودائع المصارف أولوية قصوى، وإجراء إن تم سيسهم في تحريك النشاط الاقتصادي، ما ينعكس على القطاعات الأخرى لاحقاً.