وما لبثت أن صارت دولة قوية فى مصر سُميت الدولة الفاطمية.. فلماذا الفاطمية؟
2026.03.13
يوسف زيدان
الجماعة الإسماعيلية التى انشقت عن بقية الشيعة، ظلت تحاول إقامة دولة لها بالمعنى السياسى، مدعومة بجهود (الدعاة) حتى استطاعت تأسيس دولة «جنينية» فى ساحل إفريقية (=تونس) وما لبثت أن صارت دولة قوية فى مصر، سُميت الدولة الفاطمية.. لماذا الفاطمية؟
كان الأئمة الحاكمون فى تونس، منذ ابتداء دولتهم على يد «عبيد الله المهدى» يسمون أنفسهم الفاطميين، كأنهم بذلك يذكِّرون المسلمين بأصلهم الشريف، ويؤكِّدون انتسابهم إلى السيدة فاطمة التى تحظى بتقدير أهل الإسلام على اختلافهم. ولكن أعداء الفاطميين، كانوا يسمونهم (العبيديين) نسبة إلى عُبيدالله المهدى، ويؤكِّدون أنهم ليسوا من آل البيت أصلاً، ويشكِّكون فى نسب عبيدالله.
ومن هنا نفهم خلفيات الواقعة المشهورة التى جرت بمصر سنة 363 هجرية، حين جاء «المعز لدين الله» ليحكم النواحى المصرية، فذهب أعيان المصريين، ومعهم نقيب الأشراف بمصر، وسألوا «المعز» عن نسبه وحسبه، فنثر عليهم دنانير ذهبية وقال: هذا نسبى! ثم سحب نصف سيفه من الغمد وهو يقول: وهذا حسبى. وهى الطريقة ذاتها التى استعملها «معاوية بن أبى سفيان» فيما يُعرف بشعرة معاوية: لو كان بينى وبين الناس شعرة ما تركتها تنقطع، فإذا شدُّوا أرخيت، وإن أرخوا شددتُ.
المهم، أن «المعز لدين الله» ومن بعده ابنه «العزيز بالله» كانا من فضلاء الرجال، وسارا فى مصر بسيرة حسنة، وحفظا البلاد من محاولات القرامطة الاستيلاء على الحكم، لكن الحال اضطرب فى أواخر القرن الرابع الهجرى، وبدايات القرن الخامس، مع التفانين العجيبة والحكمة الممزوجة بالهوس والجنان الرسمى (الجنون الصريح) الذى عرفناه فى فترة حكم «الحاكم بأمر الله» الذى كاد فى نهاياته يودى بالبلاد والعباد فى موارد التهلكة.
لولا تداركت الأمر أخت الحاكم بأمر الله (سِتّ الملك) وقامت بعملية إنقاذ مثيرة (سينمائية) وأرست الأمور بيد ابن أخيها الذى كان قد انتزعته من أبيه (الحاكم بأمر الله) وهو طفل صغير، وما لبثت أن جعلته حاكماً لمصر بعد اختفاء والده سنة 411 هجرية، وأعطته اسم (الظاهر لإعزاز دين الله) وكان عمره آنذاك ستة عشر عاماً.
وفى أواخر زمن «الحاكم» ظهرت بمصر بدع كثيرة ومعتقدات عجيبة، منها الجماعة التى سوف تُعرف لاحقاً باسم (الحشاشين) والجماعة التى تُعرف اليوم باسم (الدروز) وكلاهما مصرى المنشأ، وكلاهما متشدِّد.. ولسوف نتوقف عندهما فى المقالتين القادمتين.
وقد استمرت الدولة الشيعية الإسماعيلية (الفاطمية) فى حكم مصر من سنة 358 هجرية حتى أسقطها سنة 567 هـ صلاح الدين الأيوبى، الذى تنمَّس على الخلافة الفاطمية وصار وزيراً لهم، ثم انقلب عليهم وعلى «نور الدين محمود» وأسس الدولة المعروفة فى تاريخ مصر والشام بالدولة الأيوبية، التى ابتدأها بجريمة ضد الإنسانية حين عزل الرجال (الفاطميين) عن النساء (الفاطميات) ومنع تزاوجهم مع بعضهم، أو مع الآخرين، حتى انقرضوا بالوفاة ولم يبق منهم أحد.
وبالطبع، فالمقررات الدراسية عندنا لا تذكر هذا الأمر إطلاقاً، وإنما تحتفى بصلاح الدين الأيوبى لأنه حَرَّر القدس من أيدى الصليبيين سنة 583 هـ هجرية، ولا تقول أن أخاه (العادل) عاد وسلَّمها لهم سنة 628 هجرية.
وبعد انطواء صفحة الزمن الشيعى الإسماعيلى (الفاطمى) من تاريخ مصر، بقيت ببلادنا آثار كثيرة تدل عليه، وبقيت منه فى التراث العربى/ الإسلامى عموماً آثار أخرى. ومن أشهر ما نعرفه اليوم من بقايا ذاك الزمن الجامعُ الأزهر الذى ما لبث أن صار منبراً لمذهب السنة، مع أنه كان فى الأصل منبراً للدعوة الشيعية الإسماعيلية.
ومن ذلك أيضًا، ما نقوم به اليوم من احتفالات دينية واحتفاء بفانوس رمضان (الذى لا يعرفه إلا المصريون) وحفاوة كبيرة بآل البيت المدفونين بمصر، وعلى رأسهم الإمام الحسين الذى يشكك كثير من المؤرخين فى أنه مدفون أصلاً بمصر، لكن هذه الشكوك لا تعنى أى شىء بالنسبة للاعتقاد العام السائد بمصر.
ومن الآثار التى بقيت من ذاك الزمان، فى التراث العربى/ الإسلامى، عموماً، بل فى التراث الإنسانى؛ الموسوعة البديعة التى تعرف بعنوان (رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا) وهى كتاب ضخم يقع فى أربعة مجلدات.