كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بقعة اسمها "دوير بعبدة"

محمد ابراهيم

في الساحل السوري.. هناك بقعة اسمها "دوير بعبدة"…
لم تكن يوماً على هامش التاريخ.. ولا في صف الصامتين...
حين صعد حافظ الأسد إلى كرسي الحكم فوق جماجم رفاقه..
وحين كانت معظم المناطق تلعق أحذية صغار ضباط الحزب والأمن والشرطة…
كانت دوير بعبدة تقف في الجهة الأخرى من الخوف…
وتدفع ثمن كرامتها دماً وقهراً وألف فقد قسري…
مئات الرجال والشباب ابتلعتهم معتقلات حافظ الأسد
لا لأنهم حملوا سلاحاً… بل لأنهم رفضوا السجود لتمثال الطاغية..
ورفضوا أن يدربوا على تأليه بشر فاسد كتب عليه أن يحكم بالخوف…
لم تكن الخيانة حكراً على طغاة عائلة الأسد،
بل شاركهم ضباط ومسؤولون من أرياف دمشق وحلب وحماة وحمص وإدلب ودير الزور والجزيرة… من كل تلك المناطق كان هناك من يأتمر بأمر حافظ الأسد ضد الشعب..
وتواطؤوا على إذلال السوريين..
وصاغوا معآ دولة من الرعب والتجويع والتجهيل…
وحين اندلعت الثورة.. وحين قُصفت المدن والقرى،
كان من "دوير بعبدة" من رفع صوته عالياً..
إن قصف المدنيين جريمة
وأن قتل الشعب ليس سياسة دولة
بل سلوك عصابة فقدت إنسانيتها…
اعتُقلوا.. خُوِّنوا.. شُوِّهوا…
فقط لأنهم قالوا إن الإنسان أغلى من العرش…
واليوم…
بعد سقوط منظومة الأسد.. وهروب رموزها كالجرذان
بعد أن تبخّروا كما يتبخر الحياء من وجوه من امتهنوا إذلال شعبهم كقواد الدياثة الذين هتكوا شرفهم وشرف أهلهم لأجل السلطة…
اليوم تُعاد المأساة بثوب جديد…
"دوير بعبدة" تُقصف… تُرهب… تُستباح…
بحجة ملاحقة مطلوب… نعم مطلوب واحد…
فتُعاقَب منطقة كاملة.. وتُرهب النساء.. ويُفزع الأطفال..
ويُهان الشيوخ… كما لو أن شيئآ لم يتغير…
الأسلوب ذاته..العقلية ذاتها… منطق القوة ذاته…
وكأننا لم ندفن نظاماً بل استبدلنا جلاده وشبيحته…
عارضنا الأسد من قلب دمشق.. يوم كان الخوف سيّد الشوارع،
ويوم كان كثيرون لا يجرؤون حتى على وضع إعجاب صامت على منشور فيسبوكي يفضح ممارسات نظام الأسد..
واليوم.. أولئك أنفسهم يرفعون شعارات الثورة..
وقد صاروا ثواراً بعد زوال الخطر.. بلا كرامة.. بلا ذاكرة..
بلا خجل…
ما يحدث اليوم ليس بناء دولة.. بل إعادة إنتاج مزرعة..
بعبيد أكثر… وبصورة أشد قبحاً..
ويلٌ لوطنِِ.. يصير فيه الظلم عادة.. والقهر سياسة.. والصمت فضيلة..
ويلٌ للمنافقين.. الذين لا يرون الظلم إلّا حين يلسعهم،
ويتعامون عنه حين يحترق به غيرهم...