كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من يدفع ثمن الانتقال إلى سورية الجديدة؟

مروان حبش

في سورية اليوم، لم يعد الفقر خبراً عابراً يُقرأ في تقرير اقتصادي، ولا الجوع حالة استثنائية يمكن اختزالها في أرقام ونسب ومؤشرات. لقد أصبحا جزءاً من الحياة اليومية لملايين السوريين، يظهران في تفاصيل صغيرة وقاسية.
ليس أصعب على الإنسان من أن يستيقظ كل صباح وهو يعرف أن معركته الأولى ليست مع السياسة، ولا مع المستقبل، ولا حتى مع الخوف، وإنما مع سؤال بسيط وقاسٍ: كيف سيؤمّن طعام أسرته اليوم؟
في سورية، لم يعد الجوع مجرد نتيجة من نتائج سنوات الحرب، ولا الفقر مجرد حالة مؤقتة يمكن تجاوزها بالصبر. لقد أصبحا جزءاً من الواقع المعاش لشرائح واسعة من السوريين، حتى باتت أبسط متطلبات الحياة تحتاج إلى حسابات مضنية، ومقايضات مؤلمة، وتنازلات لا تنتهي.
هناك من يختصر طعام أسرته كي يكفي المال للدواء، ومن يؤجل العلاج لأن كلفته أكبر من قدرته، ومن يستغني عن حاجات أساسية لأن دخله لم يعد يسمح إلا بالبقاء. وهناك آباء وأمهات يخفون قلقهم عن أطفالهم، فيما يعرفون في داخلهم أن ما يحملونه من مال لن يكفي حتى نهاية الأسبوع.
هذه ليست أرقاماً في تقرير اقتصادي.ىهذه حياة بشر.
ولهذا فإن الاقتصاد السوري لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال الموازنات، ومعدلات النمو، وحجم الاستثمارات، وأرقام التجارة، بل من خلال السؤال الأكثر بساطة ووضوحاً: كيف يعيش السوري اليوم؟
فالاقتصاد الحقيقي يبدأ من المائدة ومن البيت. ومن قدرة العامل على شراء حاجاته بأجره. ومن قدرة الأسرة على دفع فاتورة الكهرباء والماء والإيجار، وتأمين الغذاء والدواء، وإرسال أطفالها إلى المدرسة من دون أن تشعر بأن كل خطوة نحو المستقبل تعني مزيداً من الديون والعجز.
حين يصبح تأمين الأساسيات إنجازاً يومياً، فإن الحديث عن التعافي يحتاج إلى قدر كبير من الصراحة.
فما معنى أن نقول إن البلاد تدخل مرحلة جديدة، بينما يشعر المواطن أن حياته لم تدخل هذه المرحلة بعد؟
ما معنى أن تتغير المؤسسات، بينما يبقى الفقر جاثماً على أبواب البيوت؟
وما معنى أن نتحدث عن إعادة البناء، إذا كان الإنسان نفسه، الذي يفترض أن يكون محور هذه العملية، لا يزال عاجزاً عن بناء حياة مستقرة لأسرته؟
لقد أنهكت الحرب سورية، لكنها لم تدمر الحجر وحده. لقد استنزفت الإنسان أيضاً. استنزفت سنوات من عمره، ومدخراته، وفرص عمله، وتعليمه، وصحته، وأمانه الاجتماعي، وأضعفت قدرته على مواجهة المستقبل. ولذلك فإن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها.
قد تتوقف المدافع، لكن آثار الحرب تستمر في جيب العامل، وفي مائدة الأسرة، وفي مدرسة الطفل، وفي مستشفى المريض، وفي مستقبل شاب أمضى سنواته خارج سوق العمل.
الحرب الحقيقية تنتهي عندما تخرج من حياة الناس، لا عندما تتوقف أصواتها فقط. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لأي مرحلة جديدة.
ليس المطلوب أن تُحل جميع مشكلات سورية في يوم واحد، فهذا غير ممكن. وليس من الواقعي تجاهل حجم الخراب والتعقيدات التي خلفتها السنوات الماضية. لكن ما يمكن وما ينبغي فعله هو أن يشعر المواطن بأن الاتجاه العام يسير نحو تخفيف أعبائه، لا نحو تحميله أعباء جديدة.
فالفقير لا يستطيع دفع ثمن كل الإصلاحات. والموظف محدود الدخل لا يستطيع أن يكون دائماً الحلقة التي تتحمل تكلفة التحولات الاقتصادية. وصاحب العمل الصغير لا يستطيع أن يبقى وحيداً أمام ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية. والشاب الذي لا يجد عملاً لا يمكن مطالبته بأن ينتظر بلا نهاية.
هنا تحديداً يصبح السؤال الاقتصادي سؤالاً سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً في آن واحد:
من يدفع ثمن الانتقال إلى سورية الجديدة؟
إذا كان المواطن الذي تحمل الحرب، والفقر، والتهجير، وفقدان العمل، وتراجع الخدمات، هو نفسه الذي سيُطلب منه أن يتحمل كلفة المرحلة الجديدة، فإن الإصلاح يفقد جزءاً أساسياً من معناه.
الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد تغيير في القوانين أو المؤسسات، وإنما تغييراً في قدرة الناس على الحياة.
فالناس لا يعيشون داخل البيانات الرسمية، ولا داخل المصطلحات الاقتصادية، ولا داخل الخطط بعيدة المدى.
هم يعيشون داخل رغيف الخبز. داخل فاتورة الكهرباء. داخل أجرة المنزل. داخل سعر الدواء. داخل الطريق إلى العمل. داخل المدرسة التي يريدون لأطفالهم أن يتعلموا فيها.
وهنا تلتقي السياسة بلقمة العيش من دون حاجة إلى خطب طويلة.
لأن المواطن لا يحتاج إلى أن يشرح له أحد معنى الأزمة عندما يقف أمام متجر ولا يستطيع شراء ما كان يشتريه سابقاً. ولا يحتاج إلى تقرير اقتصادي ليعرف أن قدرته الشرائية تراجعت؛ يكفيه أن ينظر إلى ما في جيبه وما يحتاج إليه في السوق.
ومن هنا، فإن احترام الإنسان ينبغي أن يصبح عصب الحياة العامة في سورية. ليس احترامه كشعار، وإنما كسياسة يومية.
أن يكون قادراً على العمل. أن يحصل على أجر يحفظ كرامته. أن يجد العلاج عندما يمرض. أن يتعلم أبناؤه. أن يمتلك سقفاً آمناً. أن يستطيع أن يخطط للغد بدلاً من أن يقضي يومه كله في البحث عن كيفية النجاة من اليوم.
هذه هي المعاني الحقيقية للتعافي.
أما أن تخرج البلاد من الحرب بينما يبقى المواطن محاصراً بالفقر، فهذا يعني أن جزءاً أساسياً من الحرب ما زال قائماً في حياته.
ولذلك فإن إعادة بناء سورية لا ينبغي أن تبدأ من الحجر وحده، بل من الإنسان.
فالطريق إلى دولة مستقرة لا يمر فقط عبر المؤسسات، وإنما عبر مجتمع قادر على الوقوف على قدميه. والاقتصاد القوي ليس الاقتصاد الذي يحقق مؤشرات جيدة على الورق فقط، بل الاقتصاد الذي يمنح الناس فرصة للعمل والإنتاج والادخار وتحسين حياتهم.
إن أكبر خطر على أي مرحلة انتقالية ليس فقط فشلها السياسي، وإنما أن يفقد الناس الإيمان بأن التغيير يمكن أن يحسن حياتهم.
فحين لا يرى المواطن فرقاً في مستوى معيشته بل تدهوراً، وحين يصبح المستقبل بالنسبة إليه مجرد نسخة أخرى من الماضي إن لم تكن أسوأ، يتراجع الأمل، ويتحول الانتظار إلى إحباط، والإحباط إلى انسحاب من الشأن العام.
ومن هنا فإن مكافحة الفقر ليست قضية اقتصادية هامشية.
إنها جزء من بناء الدولة. وجزء من استعادة الثقة. وجزء من المصالحة مع المستقبل.
إن السوري الذي يريد أن يرى بلاده تنهض لا يحتاج إلى وعود ضخمة بقدر ما يحتاج إلى إشارات ملموسة تقول له إن حياته تتحسن فعلاً.
راتب يستطيع أن يعيش به. عمل يستطيع أن يحافظ عليه. مدرسة يستطيع أن يرسل أبناءه إليها.
مستشفى يستطيع أن يدخل إليه دون أن يخشى الفاتورة أكثر من المرض. وسوق يستطيع أن يدخلها دون أن يخرج منها وهو يشعر بالعجز.
قد تبدو هذه المطالب بسيطة، لكنها في الحقيقة هي جوهر الدولة.
فالدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مؤسسات، وإنما بما تمنحه لمواطنيها من أمن اقتصادي واجتماعي وإنساني.
وسورية اليوم لا تختبر قدرتها على بناء دولة فحسب، بل تختبر قدرتها على جعل كرامة الإنسان عصب الحياة العامة.
وهذا هو المعنى الأعمق للتعافي.
أن يصبح المستقبل أوسع من الماضي. أن يصبح العمل طريقاً للخروج من الفقر، لا مجرد وسيلة للبقاء.
أن يصبح الإصلاح جسراً إلى حياة أفضل، لا عبئاً جديداً على الفقراء. وأن يشعر المواطن أخيراً أن التغيير لم يحدث فوق رأسه، وإنما وصل إلى بيته ومائدته ومستقبل أبنائه.
قد تتغير الحكومات، وتتبدل القوانين، وتُعاد صياغة المؤسسات، وتُفتح أبواب كانت مغلقة.
لكن السؤال الذي سيبقى أكثر صدقاً من كل الخطابات هو:
هل أصبح السوري قادراً على أن يعيش بكرامة؟
إذا كانت الإجابة لا تزال مؤجلة، فإن طريق التعافي لن يكتمل أبداً.
فالتغيير الحقيقي ليس أن تتغير صورة الدولة أمام الناس، بل أن تتغير حياة الناس داخل الدولة.
وسورية التي أنهكتها الحرب لا تحتاج فقط إلى نهاية الماضي؛ إنها تحتاج إلى بداية مختلفة للمستقبل.
مستقبل لا يكون فيه الخبز حلماً، ولا العلاج ترفاً، ولا العمل امتيازاً، ولا الكرامة مطلباً مؤجلاً.
مستقبل يشعر فيه السوري بأن الحياة لم تعد معركة يومية من أجل البقاء، بل أصبحت فرصة حقيقية للحياة
فالدولة التي لا تستطيع أن تحمي الإنسان من الجوع والفقر، مهما تغيرت عناوينها، لن تصل أبداً إلى جوهر مهمتها.