كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي

مروان حبش

ليست الوحدة الوطنية معطىً طبيعياً يولد مع الجماعات البشرية، ولا هي مجرد شعار سياسي يُرفع في لحظات الأزمات، وإنما هي بناء تاريخي وأخلاقي وثقافي يتشكل عبرَ وعيِ الأفراد بانتمائهم إلى مجتمع سياسي واحد، تتكامل فيه الحقوق والواجبات، وتتوازن فيه المصالح الخاصة مع المصلحة العامة. فالأمم لا تقوم على التشابه المطلق بين أفرادها، بل على قدرتها على تحويل تنوعها إلى مصدر قوة، واختلافها إلى إطار للتكامل والإبداع.
لم تكن الوحدةُ الوطنيةُ في سورية عبر تاريخها الطويل مجرد شعار سياسي يرفع في المناسبات، ولا عبارة إنشائية تُستدعى في أوقات الأزمات، بل كانت على الدوام، معلماً مميزاً للشعب السوري، والسمةَ الأبرز التي حفظته، وأكسبته القدرة على تجاوز المحن، وصون الدولة، وحماية الهُوية الوطنية الجامعة. وقد أثبتت التجاربُ أنَّ الأوطان التي تتماسك شعوبُها حول هُوية وطنية واحدة، ومصالح مشتركة، وقيم جامعة، هي الأكثر قدرة على النهوض بعد الأزمات، مهما بلغت التحديات وتعاظمت التضحيات.
لقد دفعت سورية أثماناً باهظةً نتيجة سنوات الصراع والانقسام، الأمر الذي يجعل إعادةَ بناء الوحدة الوطنية اليوم أولوية تتقدم على سائر الأولويات، لأنها الإطارُ الذي تتولد منه دولةُ المواطنة، والمؤسسات المستقرة، والتنمية المستدامة، والسيادة الوطنية، والأمن المجتمعي.
ومن هنا، فإنَّ الحديث عن الوحدة الوطنية ليس حديثاً عن حالة عاطفية أو رغبة أخلاقية فحسب، وإنما عن مشروع وطني متكامل يُعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة، وسيادة القانون، والشراكة السياسية، والعدالة، واحترام التنوع ضمن إطار الهُوية الوطنية السورية الجامعة.
إنَّ التجارب التاريخية تؤكد أنَّ الشرعية السياسية الحقيقية لا تنبع من امتلاك أدوات القوة وحدها، وإنما من رضا المواطنين ومشاركتهم الفعلية في صناعة القرار العام. ولذلك فإن تغاضيَ أي سلطة عن المشاركة الشعبية في إنتاج الشأن العام، انطلاقاً من المصالح الوطنية العليا للبلاد، لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الوطنية، ويزيد من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويحول دون بناء الثقة الضرورية لاستقرار الدولة.
ولا يمكن لأي مشروع سياسي أنْ يحقق الاستقرار الدائم إذا ظلَّ المجتمع مجرد متلقٍ للقرارات، بدلاً من أن يكون شريكاً في صناعتها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حلٍّ سياسي وطني يحقق تطلعات الشعب، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على التوافق الوطني، ويحدد بوضوح حقوق المواطنين وواجباتهم، ويرسم العلاقة بين السلطات، ويكفل تداول المسؤولية وفق الأطر الدستورية والقانونية.
ويغدو المؤتمر الوطني العام، الذي يمثل مختلف مكونات الشعب تمثيلاً صحيحاً، الركيزةَ الوحيدةَ المهمةَ لإنتاج هذا العقد الاجتماعي، متى قام على قواعد الشمول والتمثيل الحقيقي والحوار المسؤول، بحيث يكون فضاءً وطنياً لتبادل الرؤى، وصوغِ المستقبل المشترك، بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار.
لقد أثبت التاريخ الإنساني أنَّ القوة قد تفرض السيطرة مؤقتاً، لكنها لا تؤسس شرعيةً دائمةً، ولا تبني مؤسسات مستقرة، ولا تصنع ولاءً وطنياً راسخاً.
إنَّ العنفَ العاريَ من أجل حكم البلاد، وغرورَ القوة، يُغَيِّبُ فرصةَ اجتراح هندسة سياسية وطنية قادرة على استيعاب التنوع السوري، وتحويله إلى مصدر قوة وإبداع. فالدولة الحديثة لا تقوم على إخضاع المجتمع، وإنما على تنظيم اختلافاته ضمن مؤسسات دستورية تحترم الجميع.
وسورية ليست بلداً عادياً في الجغرافيا السياسية؛ فهي تمتلك موقعاً استراتيجياً فريداً، وكانت عبر التاريخ ملتقى الحضارات والثقافات والتجارة والأفكار. كما أنَّ شعبها عرف السياسةَ والعملَ العام منذ عقود طويلة، وأسهم في بناء الفكر الدستوري والبرلماني العربي، الأمر الذي يجعل الحوارَ السياسي والتوافقَ الوطني أكثر انسجاماً مع طبيعة المجتمع السوري من منطق الغَلبة والقهر.
إنَّ الهندسة السياسية المطلوبة اليوم هي تلك التي توازن بين قوة الدولة وحقوق المجتمع، وتحفظ وحدة المؤسسات مع صيانة الحريات، وتحقق الاستقرار دون التضحية بالكرامة الإنسانية أو المشاركة الوطنية.
لا يمكن لأي وطن أنْ يؤدي رسالته الحضارية أو الإقليمية إذا افتقد الأمن الداخلي أو تعرضت سيادته للانتقاص.
إنَّ الاستقرار الوطني، والسيادة الكاملة للوطن، والأمن الشامل للمواطنين، تُشكّلُ الأساس الذي يعيد لسورية دورها التاريخي والاستراتيجي، ويؤهلها لاستثمار موقعها الجغرافي المركزي، الذي جعلها عبر التاريخ عقدة وصل بين المشرق والمغرب، وبين آسيا وأوروبا، وبين البحر المتوسط وعمق الوطن العربي.
وعندما تستعيد الدولة قدرتها على حماية حدودها، وصيانة استقلال قرارها الوطني، وترسيخ الأمن وسيادة القانون، يصبح المجتمع أكثر قدرة على البناء والإنتاج، ويستعيد الاقتصاد حيويته، وتعود المؤسسات التعليمية والثقافية والعلمية لأداء رسالتها، فتعود سورية إلى مكانتها التي تستحقها في محيطها الإقليمي والدولي.
إنَّ المستقبل الذي يتطلع إليه السوريون لا يمكن أنْ يُبنى على ذاكرة الانقسام، بل على إرادة العيش المشترك، واحترام التنوع، والإيمان بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه. فالوحدة الوطنية ليست إلغاءً للاختلاف، وإنما هي إدارة راشدة له ضمن مؤسسات دستورية وقانونية، بحيث يتحول التنوع إلى مصدر ثراء ثقافي واجتماعي وسياسي.
وكلما توسعت المشاركة الوطنية، وتعززت الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وترسخت قيم العدالة والمواطنة وسيادة القانون، ازدادت قدرة سورية على تجاوز آثار الماضي، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
إنَّ بناء الوحدة الوطنية لا يتحقق بالنوايا الحسنة وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة من المرتكزات والمبادئ والسياسات، من أهمها:
المواطنة المتساوية. سيادة القانون. استقلال القضاء .العدالة الانتقالية. التنمية المتوازنة .مكافحة الفساد. اللامركزية الإدارية. استقلال القرار الوطني. الثقافة الوطنية الجامعة .التعليم والإعلام. تمكين الشباب والمرأة. واحترام التنوع الثقافي والديني والقومي ضمن وحدة الدولة.
إن الوحدة الوطنية هي الأساس الفلسفي لبناء الدولة، وهي شرط سابق لقيامها، وليست نتيجة. فالدولة التي تُبنى على الغَلبَة تَبقى معرضة للاضطراب، أما الدولة التي تُبنى على التوافق الوطني والمواطنة وسيادة القانون فتكتسب شرعيةً متجددة وقدرةً على الاستمرار.
إن الوحدة الوطنية هي الثروة الحقيقية التي لا تنضب، والأساس الذي تقوم عليه الدولة القوية والمجتمع المتماسك. فلا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا مشاركة وطنية، ولا مشاركة حقيقية دون احترام إرادة الشعب وكرامة الإنسان وسيادة القانون.
وعندما تصبح الوحدةُ الوطنيةُ ثقافةً راسخةً وممارسةً يوميةً ومشروعاً جامعاً، فإن سورية ستكون أكثر قدرة على تجاوز آثار الماضي، وصناعة مستقبل يليق بتاريخها العريق، وموقعها الاستراتيجي، وإمكانات شعبها، لتبقى وطناً موحداً، آمناً، سيداً، وقادراً على الإسهام في نهضة محيطه والعالم.
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية