من النزاع إلى الدولة
2026.06.29
مروان حبش
المؤتمر العام للشعب السوري كآلية للحوار الوطني والانتقال السياسي، والركيزة الوطنية لنجاح المرحلة الانتقالية وإعادة بناء العقد الاجتماعي الجديد.
تعرضت سورية، خلال أكثر من عقد من النزاع المسلح، إلى تحولات بنيوية غير مسبوقة أصابت الدولة والمجتمع معاً، فامتدت آثار الصراع من المجالين الأمني والسياسي إلى البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وأفضت إلى تفكك جغرافي ومجتمعي، وتراجع مفهوم المواطنة، وتعدد مراكز السلطة، وانهيار منظومات الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع نفسه. وفي ظل هذه البيئة المعقدة، لم تعد معالجات التسوية السياسية التقليدية القائمة على تقاسم السلطة بين القوى السياسية أو العسكرية كافية لإعادة إنتاج الدولة الوطنية، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى إطار وطني جامع يعيد تأسيس الشرعية السياسية والاجتماعية على قاعدة المشاركة الشعبية الواسعة.
يجب الانطلاق من فرضية مفادها أن نجاح المرحلة الانتقالية في سورية يتوقف على وجود مؤسسة وطنية تأسيسية تتجاوز الاصطفافات السياسية، وتتمتع بشرعية التمثيل المجتمعي، وقادرة على إدارة الحوار الوطني وتحويل التعددية والاختلاف إلى توافقات وسياسات عامة. والمنطق يقول: بأن "مؤتمراً عاماً الشعب السوري " يمثل الركيزة المؤسسية الأنسب لتحقيق هذه الغاية، باعتباره فضاءً وطنياً جامعاً يعيد إنتاج المجال العام السوري، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، ويضع المبادئ التأسيسية للدستور الدائم، ويحدد أولويات المرحلة الانتقالية وآليات متابعتها.
تكشف التجارب المقارنة بأن الدول الخارجة من النزاعات الممتدة تواجه تحدياً يتجاوز مجرد إنهاء العمليات العسكرية أو تشكيل حكومة انتقالية؛ إذ يصبح التحدي الحقيقي هو إعادة بناء المجال الوطني الجامع الذي يسمح للمجتمع باستعادة وحدته السياسية والأخلاقية، ويؤسس لشرعية جديدة تستند إلى الرضا المجتمعي بدلاً من موازين القوة. فالنزاعات الطويلة لا تؤدي فقط إلى تدمير البنية المادية للدولة، وإنما تعيد تشكيل الهويات، وتولد شبكات مصالح متعارضة، وتنتج سرديات متنافسة حول الدولة والمواطنة والعدالة.
وتُعد الحالة السورية نموذجاً واضحاً لهذا النمط من الأزمات المركبة، حيث أنتج الصراع حالة من التشظي الجغرافي والاجتماعي والمؤسساتي، وأصبح المجتمع السوري موزعاً بين سلطات متعددة، وملايين اللاجئين والنازحين، ومجتمعات محلية تعيش خبرات سياسية مختلفة، الأمر الذي يجعل أي عملية انتقال سياسي تقتصر على مقولة "من يحرر يقرر" عاجزة عن معالجة الجذور الحقيقية للأزمة.
ومن هنا تبرز إشكالية متمثلة في السؤال الرئيس الآتي :كيف يمكن تأسيس إطار وطني جامع يمتلك الشرعية والقدرة المؤسسية لنجاح المرحلة الانتقالية في سورية، وتحويل الانقسامات المجتمعية إلى توافقات وطنية مستدامة؟
وهنا لا بد من الانطلاق من فرضية أساسية مفادها أن إنشاء "مؤتمر عام الشعب السوري" يمثل المدخل المؤسسي الأكثر قدرة على إعادة بناء الشرعية الوطنية، وإدارة الحوار الوطني، وصياغة العقد الاجتماعي الجديد، ووضع الأسس الدستورية والتنظيمية للدولة السورية بعد النزاع.
ولا بد أيضاً من الأخذ بأربعة اعتبارات رئيسية:
-تقديم تصور مؤسسي بديلاً لمعالجة الأزمة السورية، يتجاوز منطق تقاسم السلطة إلى منطق إعادة بناء الدولة.
- الربط بين إدارة الحوار الوطني وبين إعادة بناء المؤسسات الدستورية، باعتبارهما مسارين متكاملين لا منفصلين.
- تقديم تصور عملي لتحويل مخرجات الحوار الوطني إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ والمتابعة.
- الإسهام في تطوير الأدبيات المتعلقة بالانتقال السياسي في المجتمعات الخارجة من النزاعات.
إن الاستناد إلى نظريات العقد الاجتماعي الجديد، ونظريات الشرعية السياسية، وأدبيات بناء السلام إضافة إلى مقاربات الحوكمة الانتقالية، التي تؤكد أن الشرعية في المراحل الانتقالية لا تُكتسب فقط من القوة العسكرية والاتفاقات السياسية، وإنما من اتساع قاعدة المشاركة المجتمعية، ووجود مؤسسات جامعة لإدارة الاختلاف بصورة سلمية.
وبناءً على ذلك، فإن "المؤتمر العام" لا يمثل هيئة تشريعية بديلة، ولا سلطة تنفيذية انتقالية، وإنما مؤسسة تأسيسية عليا تضطلع بوظيفة إنتاج التوافق الوطني، وتوجيه العملية الانتقالية ضمن إطار مؤسسي جامع.
إن المبررات، والأسس الفكرية والقانونية لإنشاء المؤتمر، وربطه بمفهوم السلطة التأسيسية الأصلية، وإعادة بناء الشرعية السياسية. هو الأساس المؤسسي لإعادة بناء الدولة
إن الأسس والضوابط الموضوعية لانتقاء أعضاء المؤتمر يجب أن تقوم على معايير الخبرة والتمثيل والكفاءة والاستقلالية، مع تحديد نسب تمثيل للمحافظات، والمرأة، والشباب، والمجتمع المدني، واللاجئين والنازحين، والجامعات، والنقابات، والفعاليات الاقتصادية، والشخصيات الوطنية المستقلة، ورجال الدين غير التكفيريين، بما يحقق التوازن بين التمثيل المجتمعي والخبرة المؤسسية.
إن المؤتمر باعتباره الركيزة الأساسية لإدارة الحوار الوطني يتحول إلى المؤسسة الناظمة لذلك الحوار، عبر إنشاء لجان تخصصية، واعتماد آليات لاتخاذ القرار بالتوافق أو بالأغلبية المعززة، وإدارة الخلافات ضمن قواعد إجرائية تضمن الشفافية والشمولية، بما يحول التنوع المجتمعي من مصدر للصراع إلى مصدر لإنتاج السياسات الوطنية.
والمؤتمر بوصفه الركيزة التنظيمية للعملية الانتقالية، يقوم بوظائف، منها إعداد خارطة الطريق الانتقالية، وتحديد الأولويات الوطنية، والتنسيق بين مؤسسات المرحلة الانتقالية، ومتابعة التنفيذ، وضمان الاتساق بين المسارات السياسية والدستورية والإدارية والاقتصادية.
ومن أهم واجبات المؤتمر صياغة العقد الاجتماعي الجديد الذي ينبغي أن يستند إلى مبادئ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات، وإدارة التنوع في إطار وحدة الدولة، مع اعتبار المؤتمر المجال الوطني الذي تُناقش فيه هذه المبادئ وتُبلور توافقياً.
وعلى المؤتمر تحديد المبادئ التأسيسية للدستور الدائم، ولا يعني ذلك أن المؤتمر يحل محل الهيئة الدستورية، وإنما يضع المبادئ فوق الدستورية أو المرجعيات الوطنية التي تهدي عملية الصياغة الدستورية، بما يعزز شرعية الدستور واستقراره.
ولا بد من التنويه إلى آليات تحويل مخرجات المؤتمر إلى سياسات قابلة للتنفيذ عبر إنشاء مجلس وطني للمتابعة والتقييم، ولجان تنفيذ قطاعية، ومصفوفة مؤشرات أداء، وتقارير دورية، وآليات للمساءلة المؤسسية، بما يضمن عدم تحول توصيات المؤتمر إلى وثيقة سياسية غير ملزمة.
وخلاصة القول: إن إعادة بناء الدولة السورية لا يمكن أن تقوم على إعادة توزيع السلطة بين الفاعلين فحسب، وإنما تتطلب إعادة تأسيس المجال الوطني الجامع الذي يستعيد وحدة الشعب والدولة معاً. ومن هذا المنطلق، يمثل مؤتمر عام للشعب السوري مؤسسةً تأسيسيةً وطنيةً قادرةً على إنتاج الشرعية، وإدارة الحوار، وتنظيم المرحلة الانتقالية، وصياغة العقد الاجتماعي الجديد، ووضع المبادئ الدستورية، وضمان تحويل التوافقات الوطنية إلى سياسات عامة ومؤسسات مستدامة، بما يحمي وحدة الشعب السوري، وسيادة الدولة، ومستقبلها.