السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
2026.06.22
مروان حبش
في كل مرة يخرج فيها بلد من نزاع طويل، يبرز سؤال جوهري يتجاوز وقف إطلاق النار وتبادل الاتهامات: كيف يمكن بناء سلام يطوي صفحة الماضي دون أن يزرع بذور نزاع جديد؟ فالتاريخ يعلمنا أن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة تحقيق السلام، وأن إسكات البنادق لا يكفي وحده لضمان الاستقرار إذا بقيت الجراح مفتوحة ومشاعر الغبن والانتقام كامنة في النفوس.
كثير من التسويات التي أعقبت الحروب أخفقت لأنها تعاملت مع السلام باعتباره امتداداً للمعركة بوسائل أخرى. المنتصر سعى إلى تثبيت غلبته، والخاسر عاش إحساس الإذلال مترقباً فرصة للثأر. وفي مثل هذه الحالات يصبح السلام مجرد هدنة مؤقتة، لا عقداً اجتماعياً جديداً يؤسس لمستقبل مشترك.
ولعل أشهر تعبير عن هذا النوع من "السلام" ما أورده المؤرخ الروماني تاسيتوس 55.م، على لسان القائد الكالدوني كالغاكوس 55ق.م، عن نقد مبكر لسلام الهيمنة حين نقل عنه قوله في وصف الإمبراطورية الرومانية: «يصنعون الخراب ثم يسمونه سلاماً». ورغم أن العبارة وردت في سياق صراع إمبراطوري قديم، فإن مغزاها ظل حاضراً في تجارب عديدة شهدها التاريخ اللاحق، حيث جرى الخلط بين إخضاع الخصوم وتحقيق السلام.
وفي المقابل، برز في الفكر السياسي الأوروبي اتجاه آخر أكثر واقعية وبعد نظر، عبّر عنه رجل الدولة النمساوي كليمنس فون مترنيخ، الذي أدرك أن الاستقرار لا يتحقق عبر إذلال المهزومين أو الانتقام منهم. فبعد الحروب النابليونية لم يدعُ إلى تحطيم فرنسا أو تفكيكها، بل إلى إعادة دمجها في النظام الأوروبي الجديد، لأن إهانة الخصم المهزوم لا تنتج سلاماً دائماً، بل تغذي الرغبة في الثأر والانتقام.
لقد أثبت التاريخ صحة هذه الرؤية مراراً. فمعاهدة فرساي عام 1919، التي فرضت على ألمانيا شروطاً قاسية بعد الحرب العالمية الأولى، لم تُنهِ أسباب الصراع، بل ساهمت في خلق مناخ من المرارة والإذلال استثمرته الحركات المتطرفة لاحقاً، وكان ذلك من العوامل التي مهدت الطريق للحرب العالمية الثانية. أما بعد عام 1945، فقد اتجهت الدول المنتصرة إلى نهج مختلف؛ فبدلاً من تحويل ألمانيا واليابان إلى مجتمعات منبوذة، جرى العمل على إعادة بنائهما اقتصادياً وسياسياً ودمجهما في النظام الدولي الجديد، الأمر الذي ساهم في تحقيق استقرار طويل الأمد.
وكان توجيه الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن إلى جنرالاته بعد استسلام الكونفدرالية الجنوبية في معركة (أبو ماتوكس عام 1865): "دعوهم بنهضون بسهولة"، أي قاوموا إغراء أي عقاب إلى أقصى حد. كان لينكولن يدرك أن عملية إعادة بناء البلاد بعد الحرب وإعادة الوحدة تتطلب سياسة تصالحية، وليس انتقامية.
إن المجتمعات المتعددة المكونات الدينية والإثنية تحتاج إلى استيعاب هذا الدرس أكثر من غيرها. ففي مثل هذه المجتمعات لا يستطيع أي طرف أن يلغي الآخر أو يحتكر الوطن لنفسه. وإذا تحولت مرحلة ما بعد النزاع إلى مناسبة لفرض الهيمنة السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية من قبل طرف على آخر، فإن أسباب الانقسام ستبقى قائمة مهما بدا المشهد هادئاً في الظاهر.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يواجه السلم الأهلي هو منطق "المنتصر والمهزوم". فهذا المنطق قد يبدو مغرياً في لحظة معينة، لكنه يحمل في داخله عوامل تقويض الاستقرار. فالوطن ليس غنيمة حرب، والدولة ليست أداة لمعاقبة جماعة أو مكافأة أخرى، بل إطار جامع لمواطنيها جميعاً.
ولا يقل خطورة عن ذلك شيوع مفهوم "الذنب الجماعي". فكم من مجتمعات دفعت ثمناً باهظاً حين جرى تحميل مكونات اجتماعية كاملة مسؤولية أفعال أنظمة سياسية أو جماعات مسلحة أو أفراد ارتكبوا انتهاكات باسمها أو ادعوا تمثيلها. إن هذا المنطق يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة، لأن المسؤولية القانونية والأخلاقية مسؤولية فردية في المقام الأول.
فليس من العدل أن يُدان ملايين البشر بسبب انتمائهم الديني أو القومي أو المناطقي، وليس من الحكمة السياسية أن يُطلب من جماعة كاملة أن تعتذر عن أفعال لم ترتكبها. إن محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات ضرورة لا غنى عنها، لكن توسيع دائرة الاتهام لتشمل جماعات بأكملها لا يؤدي إلا إلى إنتاج شعور جديد بالمظلومية، وإلى تكريس الانقسام بدلاً من تجاوزه.
ولذلك فإن السلم الأهلي الحقيقي يحتاج إلى معادلة دقيقة تجمع بين العدالة والمصالحة. فلا يمكن بناء الثقة بتجاهل المظالم أو إنكار معاناة الضحايا، كما لا يمكن بناء المستقبل عبر الانتقام الجماعي أو الإقصاء السياسي. المطلوب هو كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وإنصاف المتضررين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حق جميع المواطنين في الانتماء المتساوي إلى الوطن.
كما أن نجاح أي مشروع للمصالحة الوطنية يتوقف على قدرة الدولة على بناء مؤسسات تقف على مسافة واحدة من الجميع. فالمواطن لا يثق بالشعارات بقدر ما يثق بالممارسة اليومية للعدالة والمساواة. وعندما يشعر الناس أن القانون يحميهم بصرف النظر عن هوياتهم الفرعية، تتراجع المخاوف وتزداد فرص الاندماج الوطني.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن "السلام العقابي" قد يكون أكثر خطراً من الحرب نفسها. فالحرب المعلنة تُظهر خصومها بوضوح، أما السلام القائم على الإذلال والتهميش فيخفي تحت سطحه مشاعر نقمة قابلة للانفجار في أي لحظة. ولذلك فإن الحكمة السياسية لا تكمن في تحقيق الانتصار فحسب، بل في إدارة ما بعد الانتصار بطريقة تمنع تحويل المهزوم إلى عدو دائم.
إن الأوطان الخارجة من النزاعات لا تحتاج إلى ذاكرة تنسى، ولا إلى ذاكرة تنتقم، بل إلى ذاكرة تتعلم. تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وإلى عدالة تنصف الضحايا، وإلى رؤية وطنية تتجاوز منطق الثأر. فالسلم الأهلي المستدام لا يقوم على الخوف، ولا على الهيمنة، ولا على تحميل الجماعات أوزار الأفراد، وإنما على المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون.وإلى مجموعة من الركائز الأساسية.
- أول هذه الركائز هو العدالة. لكن العدالة هنا لا تعني الانتقام، بل تعني إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين وفق القانون وكشف الحقيقة ومنع تكرار الانتهاكات. فالعدالة الانتقامية تُنتج ضحايا جدداً، بينما العدالة الرشيدة تفتح الطريق نحو المصالحة.
- والركيزة الثانية هي الاعتراف المتبادل. إذ لا يمكن لأي جماعة أن تعيش بأمان إذا شعرت أن وجودها أو هويتها أو ذاكرتها التاريخية موضع إنكار أو ازدراء. والاعتراف المتبادل لا يعني الاتفاق الكامل، بل يعني الإقرار بحق الجميع في الانتماء إلى الوطن نفسه.
- أما الركيزة الثالثة فهي المشاركة السياسية المتوازنة. فالإقصاء السياسي يولّد الشعور بالغبن ويغذي النزعات الانفصالية أو الثأرية، بينما تسمح المشاركة العادلة لجميع المكونات بالشعور بأنها شريكة في صناعة القرار وفي تحمل مسؤولية الدولة.
- وتتمثل الركيزة الرابعة في بناء مؤسسات وطنية محايدة. فحين تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات بيد فئة معينة، يفقد المواطنون ثقتهم بها. أما عندما تكون المؤسسات شاملة وخادمة للجميع دون تمييز، فإنها تصبح عامل استقرار ووحدة.
- أما الركيزة الخامسة فهي صياغة ذاكرة وطنية متوازنة. فالمجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى مواجهة ماضيها بصدق، لكن دون تحويل التاريخ إلى أداة لإحياء الضغائن. فالغاية من تذكر المآسي ليست توريث الكراهية للأجيال القادمة، بل استخلاص العبر التي تمنع تكرارها.
إن السلام الأهلي لا يُقاس بقدرة طرف على إخضاع طرف آخر، وإنما بقدرة المجتمع كله على تحويل نهاية النزاع إلى بداية لشراكة وطنية جديدة. وهذه الفكرة تجد سندها في كثير من تجارب التاريخ؛ فالدول التي خلطت بين السلام والانتقام غالباً ما ورّثت أبناءها نزاعات مؤجلة، بينما نجحت الدول التي جمعت بين العدالة والاحتواء في بناء استقرار أكثر رسوخاً.
وعندما يدرك الجميع أن مستقبل الوطن أهم من حسابات الماضي، وأن كرامة المهزوم ليست تهديداً للمنتصر بل شرطاً لاستقرار الجميع، يصبح السلام أكثر من مجرد نهاية للنزاع؛ يصبح بداية حقيقية لوطن يتسع لجميع أبنائه.