كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اسمعوني يا أولاد العم، في الداخل والشتات

ريتا خير بك

هناك شيء صار واضحا في عقلي كأنه حقيقة لا تقبل النقاش: هندسة الإبادة تعرف تماما ما تفعل.
بعد السابع من آذار لم يعد القتل عشوائياً بالمعنى الساذج للكلمة. صار القتل ينتقي. صار يعرف أين يضغط كي يوجِع أكثر، وكيف يصنع من الألم نظاماً، ومن الخوف عادةً يومية، ومن الحزن جغرافيا ثابتة في الروح.
ليس المقصود أن يُنقصوا عددنا فقط. المقصود أن يُكسِروا معنى “الشعب العلوي” من الداخل: أن تتحول حياة الفقير إلى رخص، ودم العامل إلى خبرٍ عابر، ويدُ الأم إلى فمٍ مُكمَّم، وأن تصبح العائلة نفسها مساحة تهديد.
لهذا يقتلون الأب أمام عيون أطفاله. لهذا يخطفون امرأةٌ أمّ، لا لأنها “تفصيل”، بل لأنهم يعرفون أن الأم هي عمود البيت، وأن خطفها ليس خطف جسد فقط، بل خطف أمانٍ كامل. لهذا يُقتَل الفتى العائد من عمله آخر الليل: ليُقال للفقراء إن الطريق إلى الخبز محفوف بالإعدام، وليقال للبيوت إن الباب لا يحميكم، وإن الغد ليس مضموناً.
هذه الحوادث ليست حوادث فردية هي رسائل بلا ورق، تُكتب بالدم: “لن نكتفي بإخافتكم، سنعلّمكم أن تتوقعوا الخسارة قبل أن تقع، وأن ترتجفوا قبل أن تُفتح الأبواب، وأن تفسّروا كل صوتٍ كأنه اقتراب النهاية.”
وهنا تبدأ أخطر طبقات الابادة: الابادة التي لا تُرى في الإحصاءات. الابادة التي تصنع صدمةً جمعية.
الصدمة، حين تتكرر، تفعل بنا ما يلي:
تجعل الذاكرة يقظة أكثر من اللازم، كأنها حارس لا ينام. تجعل الجسد يعيش في وضع الاستنفار، كأن الخطر يقيم داخل الأعصاب. تسرق القدرة على الفرح الطبيعي، وتحوّل الحياة إلى حساب خسائر
وتزرع شيئاً أقسى: الشك في العالم، وفي البشر، وفي معنى العدالة. وحين تُستهدف الأسر تحديداً، تُزرع في الأطفال بذرةٌ فاجعة: أن يتعلموا باكرا أن الحياة قد تُصفَع أمامهم، وأن الأب يمكن أن يُنتزع من المشهد بلا إنذار. هذا ليس ألماً فردياً فقط؛ هذا تشكيلٌ قاسٍ للوعي، ومحاولة لكتابة تاريخنا بأيدي غيرنا.
ومع ذلك وهنا النقطة التي لا تُقال بخطابة بل تُقال كاعترافٍ عرفاني نحن أبناء أولئك الذين عرفوا العتمة قبلنا.
تذكروا: في أحلك ظلمات التاريخ، حين هرب الأجداد إلى الجبال، حين كانوا هناك في البرد، في الجوع، في العراء، يلاحقهم القتلة كما يلاحق ظلُّ الموت صاحبه… لم ينسوا. لم يتحولوا وحوشاً. لم يبيعوا أرواحهم كي ينجوا. لم يتخلّوا عن عقيدتهم وإيمانهم، ولا عن تلك العارفة الداخلية التي تقول: الإنسان يُهان حين يكره، ويُقتل مرتين حين ينسى.
نحن على خطاهم، لا لأننا نمجد الألم، بل لأننا نعرف أن البقاء ليس صدفة. البقاء موقف. والروح إذا حفظت معناها لا تنكسر، حتى لو انكسر كل شيء حولها.
الهندسة التي تُمارَس ضدنا تريد أن تجعلنا نختصر أنفسنا إلى ردّ فعل: خوف، غضب، انتقام، قلق. تريد أن تسحبنا إلى حفرةٍ أخلاقية كي تقول لاحقا: “انظروا، صاروا مثلنا.” لكن سلالة الجبال لا تُقاس بالقسوة، تُقاس بالتماسك. نحن نتألم، نعم. نحزن حتى التصدع، نعم. لكننا نعرف الفرق بين أن ننزف وبين أن نفقد صورتنا عن أنفسنا.
ومع ذلك، لا تُفهم هذه الكلمات كدعوةٍ للصمت. الصمت هنا خيانةٌ للدم.
الذي يحدث سيبقى في الذاكرة كما تبقى النار في الرماد: قد تخبو ظاهراً، لكنها لا تنطفئ. نحن الشعب العلوي سنظل نسمّي الأشياء بأسمائها: قتلٌ مستهدف، وخطفٌ مستهدف، وترويعٌ مستهدف، وتحطيمٌ مستهدف لمفهوم الأمان. سنوثّق لا لأننا نحب الحزن، بل لأن الحقيقة إذا لم تُكتب تُسرق، وإذا لم تُحفظ تُزوّر.
والأقسى والأصدق أن نقول:
لن “ننسى كي نرتاح”. الراحة التي تُبنى على النسيان هي موتٌ مؤجل.
سنحمل هذا كله، لا كحقدٍ أعمى، بل كذاكرةٍ تطلب عدالة. كذاكرةٍ تعرف أن من يُهندس الإبادة يعتمد على تعب الضحية وعلى ضجر العالم. لكننا لسنا خبراً ينتهي. نحن شعبٌ له أرضٌ وتاريخٌ ووجوه وأسماء، ودم لا يتحول رقماً.
هذه ليست كلمات للمنابر. هذه مرثيةٌ على شكل وعي.
وعهدٌ داخلي، عرفاني، ثقيل: أن نبقى بشراً ونحن نُدفع نحو الهاوية، وأن نُمسك بخيط الروح كي لا يبتلعنا العدم.
نحن الشعب العلوي… وسنتذكر دائماً.
 
 
 
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟