أوراق ليست للتداول
2025.12.01
عبد الكريم الناعم
جلس أمام الطبيب النفسي الذي نصحه به صديق طفولته الذي يلجأ إليه في الأمور الهامة والمعقّدة، لم يكن المجيء إلى هذا المكان بالأمر السهل عليه، صحيح أنه على جانب من الثقافة والإطلاع، ويتحدّث بلغة أهل هذا الزمان السائدة، ويسير في الشارع كواحد منهم، غير أن هذا شيء وأن تأتي إلى طبيب نفسي.. شيء آخر، هو يعلم أنهم في البلدان المتقدّمة حين يشعرون بأيّ ضيق نفسيّ متكرّر يذهبون فوراً إلى الطبيب النفسي، فيخلو أحدهم بذاته على الطريقة التي يطلبها منه ذلك الطبيب ويكون طفلاً كبيراً بين يديه من حيث الاستجابة، غير أنه سمع أحد أصدقائه الذين تشدّهم القراءات التي لا تخلو من كشوفات جديدة، سمعه يتحدّث عن متنوّر هندي توفي عام 1990 إسمه (أوشو) يرى أنّ مصدر جميع العلل والأمراض في الإنسان هو العقل بالدرجة الأولى، وليس الجسد إلّا الشاشة التي تظهر عليها تلك الأمراض، وأنّ المعالجين النفسيين، بحسب قول (أوشو) هذا هم بحاجة لمن يعالجهم في الغرب وذلك لأنهم يشكون من الكثير من العلل النفسية، فكيف يعالج مريض مريضاً؟! وذكر (أوشو) أن نسبة الانتحار بين هؤلاء الأطباء النفسيين تبلغ في اوروبا 75% فانّى لمن هذا وضعهم أن يكونوا قادرين على انتزاع العلل؟.. هو سمع هذا ومع ذلك فقد بلغ به الضغط الذي يشدّ على روحه فيكاد يُزْهقها أنه اقتنع بالذهاب إلى حيث الذين يفتحون (بالمندل) ويكتبون(الحُجُب)، غير أن تلك المرارات ماتزال تملأ روحه، وهي تشتدّ اتّساعاً وآلاماً، وهاهو لم يعد أمامه سوى الطبّ النفسي الذي يرهبه لأسباب خفيّة، هو يعي تماماً أنه اختار طبيباً يبعد عن المنطقة التي يسكن فيها، ورغم ذلك فقد كان حريصاً على ألاّ يراه أحد يدخل تلك العيادة، وتلفّت جيداً قبل الدخول، واجتاز الباب بسرعة من يريد تخطّي مساحة بالغة الخطورة ،
كان طبيبه هادئاّ، وبارداً، وحياديّاً بدرجة أشعرته أن ثمة قرابة بين هذا الطبيب والسرير الجلدي الذي يتمدّد عليه المرضى، انتبه لأوّل مرّة أن (المريول) الذي يلبسه الطبيب أبيض وأنّ جلد السرير أسود، فلماذا كلّ هذا التناقض ولهذه الدرجة؟!
الأسرّة في المستشفيات، ولباس الأطبّاء والممرّضين.. كله أبيض، فلماذا سرير الفحص أسود؟!
لم يشعر بأية ألفة مع الطبيب، دخل متوجّساً، خائفاً، وخرج بارداً وقاتماً، وهذا لم يمنعه من شراء الأدوية التي سجّلها له الطبيب، وداوم على سفّها وكان كلّ حصاده أنه أضاف إلى آلامه الداخلية كثافة جديدة من الوهن والخدر البعيد والنظرات الذّابلة التائهة.
لم يعد أمامه سوى الاستسلام لهذا المرار الداخلي الذي أحال حياته إلى جحيم، انطوى على نفسه، ولم يعد يخرج إلّا للشديد القويّ، ويئس من نفسه، ويئس منه أقرب المقرّبين، والعلّة تزداد خفاء وفتكاً.
ذات ليلة أنار فيها البدر ظلمة الأفق، وتوزّعت نجوم الله بألقها الفتّان المؤنس الجميل، وكان ثمّة شجرة توت قريبة، وهو ممدّد على الكنبة التي هيّأها له صديق من أصدقاء الدراسة من أهل ذلك الريف الجميل، البسيط، الذي يشعّ طيبة ومحبّة، هو لا يعرف كيف وافق أن يأتي معه بزيارة سبقتْها أخت لها منذ ثلاثين سنة، الهدوء والخضرة المستيقظة أبداً وأصوات بعض الجنادب تصعد على جدران الليل، وبعض الحَباب اللامع ينطفئ ويعود للاشتعال الوامض.. هذا كلّه جعله يشعر بشيء من الهدوء الشفيف الطافح بأنس لم يدْر من أية مواقع بعيدة قد تسلّل، كان النوم كمن ينزلق على شيء من حرير ذلك الهواء.
رأى فيما يراه النائم نهراً صافي المياه يتهادى في رحاب بهيجة الخضرة، وشجرة توت كبيرة ترتفع على تلك الضفّة، وشيخاً مهيباً بلحية بيضاء وثياب بيضاء يجلس مُشْرِقَ الوجه، تمنّى لو يتحوّل إلى عشبة في تلك الجنّة الباذخة، اتّجه نحو ذلك الشيخ الجليل فاستقبله بملامح رحمانية، جثى بين يديه، ولم يستطع الكلام، فقد اختنق بالإجهاش، ونظر من خلال الدمع إلى الشيخ فوجد في عينيه ما يسأله: "ما بك"؟!
قال له بحرقة مَن تلذعه نار في الداخل ماتنطفئ: "المرار، طعم المرار يا سيدي، ورائحة كريهة لا تفارق أنفي، إنها رائحة جيفة فظيعة الإنتان، وأنا أشعر أنني سأختنق بهذا الإنتان، ولا أحد يشعر بهذا غيري، أبوس رجليك خلّصني" وبكى،
قال له الشيخ الجليل: "اسمع يا بنيّ، أنت ترى صفاء هذا النهر، هذا النهر هل يمكن أن يتحوّل إلى مياه سوداء، كريهة الرائحة"؟
قال المريض: "نعم حين تختلط مياهه بالمجارير والفضلات وبقايا ما تنتجه مجاريرالمدن ومصانعها من صبيب".
قال الشيخ: "وهل يمكن غسل مياه الأنهار الملوّثة لإعادة الصفاء والنّقاء إليها"؟
قال المريض باندفاع مَن يعرف: "نعم، حين نخلّص الأنهار من ذلك الصبيب"
قال الشيخ: "هاأنت تعرف الداء وتصف ما يشفي فلماذا تبحث عن الدواء في الخارج وهو فيك"؟!!....
نشر في 10/3/2008