الطائفية هي أن نُقتَل لأننا علويون ثم يُطلب منّا أن نصمت عن علويّتنا باسم «الوحدة الوطنية»
2025.11.18
ريتا خير بك
أحبتي العلويين والعلويات، أولاد العم، ورفاق الروح في كل قرية ومدينة، وكل من يقول لي مازحًا: «كيفك يا ضيعة» وهو يعرف أنّنا لسنا غرباء عن بعض.
هذا كلام ابنتكم في الشتات، طويل كعادتي، لكنه مكتوب بعد تفكيرٍ طويل، وحديثٍ عميق مع من في الداخل والخارج.
وهو موجَّه أيضًا لكلّ من يرى نفسه سوريا أوّلًا، ثم درزيًّا أو علويًّا أو كرديًّا… لكلّ من ما زال يفتّش عن وطن يسع اسمه كاملًا، أطلب منكم فقط أن تقرأوه على مهل
ما هي الجريمة الأكبر؟
أن يُباد العلويون في السابع من آذار رميًا بالرصاص، أم أن يُفتَح اليوم «ملفّ قضائي» زائف، تنظّمه سلطات القاعدة، لتبييض المجزرة وتحويل دم الضحايا إلى مادة تفاوض وسياسة؟
لماذا أكتب عن الهوية العلوية الآن، في لحظةٍ يعامل فيها قتلى آذار كأنّهم هم المتَّهمون، لا الضحايا؟
أكتب لأنّ هذه المهزلة القضائية تقول لنا شيئًا قاسيًا لكن واضحا..
من لا يملك هويةً سياسيةً اجتماعية واضحة، من لا يملك اسمًا و لايملك جماعةً وذاكرةً مكتوبة، وأنه يمكن بسهولة أن يُعاد تدويره في رواية الجلّاد.
أكتب لأنّنا، نحن العلويين، نُعامل اليوم كأيتام دولةٍ أنكرَتنا، وجموع بشرية تهتف لموتنا، وكأننا زائدون عن (الأمة) من كل الجهات.
منذ الاستقلال، ثم في جمهوريات ما بعده، اخترنا أو أُجبِرنا أو اقتنعنا على استراتيجية الذوبان:
أن نذوب في الدولة، في الجيش، في الحزب، في شعار (سوريا أولاً) وأن ندفن كلمة (علوي نصيري) في الهوامش.
قيل لنا إنّ الحديث عن هوية علوية رجعية، وإنّ المواطن الحقيقي هو من ينسى طائفته.
لكنّ هذه الاستراتيجية استراتيجية الذوبان لها ثمنٌ نفسيّ وسياسيّ عميق:
لم نطوّر لغة تنظّمنا كجماعة، ولا مؤسساتٍ تمثّلنا، ولا ذاكرةً مكتوبةً عن اضطهادنا القديم والجديد.
صرنا نعيش كمواطنين مفترضين على الورق، لكن كـ«نُصيريين» مكشوفين عند لحظة الخطر.
وحين جاء السابع من آذار وما بعده، اكتشفنا الحقيقة التي كتبت عنها حنّة أرندت بعد المحرقة:
ليس المهم فقط أن تملك جنسية ووثيقة، بل أن تنتمي إلى جماعةٍ معترَف بها، قادرةٍ على حمايتك، على حمل قضيتك، على أن تصرخ باسمك حين تُقتَل.
اليهود المندمجون في أوروبا قبل النازية ظنّوا أن الذوبان في الدولة كاف لكن قطارات الإبادة لم تسأل عن درجة اندماجهم؛ سألت فقط عن اسمهم.
نحن اليوم نعيش لحظتنا الخاصّة من هذا الدرس المرّ.
عشنا عقودا (أبناء الجمهورية)، ثم اكتشفنا فجأة أنّنا أيتام الجمهورية:
الدولة التي ربّت فينا هابيتوس المواطنة، تركتنا بلا حماية حين أُعيد تسميتنا: (نصيريين كفرة، طائفة يجب اقتلاعها).
خرجنا من وهم المواطنة إلى حقيقة (الاستثناء): حياةٌ يمكن قتلها واختطاف نسائها بلا ثمن، ثم يُصنَّع لها «محاكم» على مقاس القاعدة لتجميل الجريمة.
سيقول البعض:
لماذا تريدون هوية علوية اليوم؟ أليست هذه عودة إلى الطائفية؟ أليس الحلّ أن نظلّ «سوريين فقط»؟
هنا يجب أن نسأل السؤال الأصعب:
أيّ طائفية أكبر من أن تُقتَل جماعةٌ كاملة وتُهجَّر قراها وتختطف نساؤها، بينما يُمنَع عليها حتى أن تسمّي نفسها وتوثّق جراحها؟
أيّ (وطنية) هذه التي تطلب من العلوي أن يذوب في سوريا، لكنها تصمت حين يُباد العلوي باسم نفس الوطن؟
أنا لا أكتب دفاعًا عن علويّة منغلقة، ولا عن مشروع انفصال أو كيان مغلق.
أنا أكتب عن هوية علوية منفتحة، هويةٍ تعترف بأنها جماعة دينية/ثقافية اجتماعية لها تاريخ خاص، ذاكرة خاصة، رموز خاصة، لكنها ترى مكانها الطبيعي داخل سوريا، لا خارجها؛ هوية تقوم على أمّة علوية في حيّزها السوري:
أمّة بمعنى المجتمع الحيّ، لا بمعنى الدولة البديلة عن سوريا؛
مجتمعٌ له مؤسسات، وأرشيف، وحقول معرفة، وقانون، وشكل من التمثيل، ولا يذوب بعد اليوم في صمت الدولة ولا في صمت المعارضة.
نفسيًا، الذوبان الذي اخترناه عقودًا كان له تأثير مدمّر:
علّمونا أن نخجل من كلمة «علوي» في الفضاء العام، وكأنها تهمة، لا اسم.
ربّونا على أن نتكلّم دائمًا بلسان الدولة، حتى ونحن نُقتَل باسمها أو بصمتها.
صرنا نخاف أن نقول «نحن» خارج قاموس السلطة، ففقدنا القدرة على تخيّل مؤسساتٍ تحمل هذا «النحن».
هذا الخجل من الاسم هو ما يسمح اليوم بتزوير السابع من آذار، بتحويل المجزرة إلى «ملف تحقيق» بدل أن تكون جُرحًا مؤسِّسًا لقضية علوية واضحة.
من دون هوية علوية واعية، يبقى دمنا مادّةً لأرشيف الآخرين:
يكتبون تاريخنا كما يريدون، يفسّرون موتنا كما يناسب سرديتهم، ويستدعوننا فقط كشهداء في خطابهم، لا كجماعة لها حقّ أن تقول ذاتها بنفسها.
من منظورٍ سياسي وأخلاقي، الهوية العلوية اليوم ليست ترفًا، بل شرط بقاء:
لأنّ الجماعة التي لا تحصي قتلاها، لا توثّق مجازرها، لا تكتب سرديتها، محكومٌ عليها أن تُباد مرّتين: في الجسد وفي الذاكرة.
لأنّ «سوريا» التي لا تعترف بالعلوي كعلوي، لا كـ«مواطن بشرط الصمت»، ليست وطنًا، بل فضاءً يُعاد فيه إنتاج نفس المعادلة القاتلة.
لأنّ أي عقد وطني جديد لن يكون عادلاً ما لم يعترف بالعلويين – وبغيرهم – كجماعات لها حقوق، لا كأفراد معزولين تُستعمل طوائفهم فقط عند الحرب.
هنا تعود أفكار أرندت بقوة:
الحقّ في أن يكون لك حقوق يعني أيضًا الحقّ في أن يكون لك اسمٌ جماعي، مؤسسة، ممثلون، صوت.
من دون هذا، تُعامل كـ«مادة بشرية» بلا عنوان، يُنقَل من خانة إلى خانة حسب ميزان القوى.
أنا لا أدعو إلى كراهية أحد، ولا إلى إغلاق الأبواب.
لكنّي أطرح أسئلة قاسية لا مهرب منها:
من سيحمي العلويين في أي تسوية قادمة إن لم يكن لهم اسم واضح وصوت واضح؟
من سيقف في المحاكم الدولية، وفي المنابر السياسية، ليقول: ما جرى في السابع من آذار وما بعده جريمة بحق جماعة محددة، لا مجرد «فوضى حرب» عامة؟
من سيبني أرشيف آذار: من الأسماء، والصور، والشهادات، والقرى، والنساء المختطفات… إن لم نقم نحن بذلك تحت اسمنا الحقيقي؟
الخلاص اليوم، في رأيي، يمرّ عبر الهوية العلوية، لا رغمها.
لكن هوية علوية كما هي كانت أبدا من صلب العرفان العلوي:
هوية ترفض الانتقام، ترفض قتل أحد باسمها،
هوية تقوم على الانفتاح، وعلى المطالبة بالعدالة، وعلى الشراكة مع الآخرين داخل سوريا،
هوية تقول:
نحن علويون سوريون، لا مواطنون بشرط إنكار علويّتنا، ولا علويون بشرط كره سوريا.
لهذا أكتب اليوم، في بداية مهزلة «محاكم» السابع من آذار:
أكتب لأقول إنّ تحويل المجزرة إلى ملف إداري لا يقلّ قسوة عن الرصاصة الأولى.
وأقول إنّ الردّ الحقيقي على هذه المهزلة ليس أن نصمت، ولا أن نكتفي بلعن العالم،
بل أن نبدأ من أبسط الأشياء وأصعبها في آنٍ معًا:
أن نقول بلا خوف: نحن علويون.
أن نؤسّس أرشيفًا حقيقيًا لآذار وما بعده.
أن نكوّن مؤسساتٍ ثقافية وحقوقية في الداخل والشتات. أن نطالب بعقدٍ سوري جديد يعترف بنا وبغيرنا بلا إذابة ولا إنكار.
الهوية العلوية، كما أفهمها، ليست شعارًا على فيسبوك، وليست سلاحًا في يد مليشيا، بل هي محاولة أن ننتزع حقّنا في أن يكون لنا حقوق؛
أن نكون جماعةً حيةً لها مكان في هذه الأرض، لا هامشًا دائمًا في حكايات الآخرين.
قد لا يعجب هذا الكلام كثيرين؛
من تعوّد الحديث ستّين عامًا بلسان الدولة سيعتبر كلّ كلام عن الهوية العلوية «طائفية».
لكنّي أرى العكس تمامًا:
الطائفية الحقيقية هي أن نُقتَل لأننا علويون،
ثم يُطلب منّا أن نصمت عن علويّتنا باسم «الوحدة الوطنية».
سؤالي الأخير، القاسي، الذي أتركه لكم:
إذا لم نسمِّ أنفسنا اليوم، إذا لم نبنِ هويتنا ومؤسساتنا وذاكرتنا،
فمن سيمنع غدًا أن تُكرَّر آذار أخرى،
ثم يُقال عنها أيضًا إنها «حادثة مؤسفة في حرب أهلية»؟
من هنا، لا من غيره، يبدأ طريق الخلاص:
من هوية علوية منفتحة، واعية، جريئة، تعرف نفسها،
وتطلب لنفسها ولغيرها وطنًا لا يُلقي أحدًا خارج اسمه.