هل يجب أن نسقط حافظ الأسد الذي في رؤوسنا؟ سقوط الأب والقطيعة مع النظام
2025.11.14
ريتا خير بك
لا أستطيع إلا أن أذكر ذلك الدفتر الذي عليه صورة حافظ الأسد مع باسل الأسد مع بشار الأسد، أو أحيانًا حافظ وحده، رمزًا واحدًا لا شريك له، كأن البلاد لم تُنجِب غير وجهه، ذلك الدفتر نفسه الذي كنّا نفتح به باب المدرسة ونمر به عبر الشارع، بينما في البيت لم يكن حافظ الأسد هو حافظ الأسد الذي في الدفتر وفي الجدار؛ في البيت كان ذلك الرجل الذي سجن أعمامي وسجن أبي ، كان انفصامًا مبكرًا بين صورة الأب القائد في الخارج وصورة الجلّاد في داخل العائلة، ومن هنا بالذات لا بد أن نحلّل ما جرى لنا استنادًا إلى فرويد ويونغ، لا من باب الرفاهية النظرية، بل من باب محاولة فهم كيف تحوّلنا، نحن العلويين، من أبناء دولة إلى أيتام جمهورية.
عند فرويد، الأب ليس شخصًا فحسب، بل هو شيفرة للسلطة والقانون والخوف والحماية في آن واحد، وحين يكون الأب قاسيا ومتسلّطًا، يحتمي الطفل بآلية دفاع قاتلة: التماهي مع المعتدي، يحب من يؤذيه ويدافع عمّن يستغله لأنه لا يحتمل الاعتراف بأن من يملك مصيره خائن، ونحن كعلويين عشنا هذه المفارقة؛ رأينا سجونًا تطال آباءنا وأعمامنا وأبناء قُرانا، ورأينا في الوقت نفسه صور الأب ذاته معلّقة في مدارس أبنائنا وعلى دفاترهم، فاخترنا تحت وطأة الخوف والفقر أن نتماهى مع الصورة كي لا نرى الحقيقة، أمّا يونغ فيتحدّث عن أرشيتيب الأب في اللاوعي الجمعي: الأب المؤسس، الذي يعطي الاسم والمكان والمعنى، وحافظ الأسد قُدِّم لنا بهذا الشكل تمامًا: ابن فلاح من الجبل، يشبهنا في السيرة الأولى، يخرج من هامش الريف إلى قلب العاصمة، فنُسقط عليه كل جوع قرون للكرامة والاعتراف، نراه يتقدّم في الجيش فنرى أنفسنا من خلاله، وننسى أنه في لحظة معينة انفصل عنا وصعد وحده إلى قمة السلطة، تاركًا لنا دور الجندي لا دور الشريك.
ومع ذلك، يجب أن نذكر أنفسنا بحقيقة تُطمس عمدًا: العلويون لم يدخلوا الجيش والدولة مع حافظ الأسد، بل قبلَه بسنوات وعقود، انخرطوا في الجيوش الأولى، وفي جمهوريات ما قبل البعث، ودفعوا ثمنًا من دمهم وخدمتهم ليكونوا جزءًا من الدولة، لم يكونوا أعداء مؤسساتها ولا حالمين بإسقاطها، كانوا يريدون مكانًا بين بقية المواطنين لا خندقًا خاصًا حول قائد واحد، ومن هنا تحديدًا استطاع حافظ أن يفهم نقطة ضعفنا:
نحن أبناء الفقر الجبلي، نعرف ماذا يعني أن يُهان أبوك لأنه من طائفة معيّنة، أن تُغلق أمامك أبواب الوظائف والمدينة، أن تبقى في الهامش، فجاء الرجل العسكري البعثي السوري لا ذلك (العلوي) الذي يمثل روح الطائفة، بل كمهندس سلطة فهم أن هذه الحاجة إلى الاندماج يمكن أن تتحول إلى قيد حديدي حول عنقنا، فقال لنا عمليًا: أُدخلكم إلى الجيش والأمن والجامعة والوظيفة، أقرّبكم من المركز، بشرط أن تربطوا مصيركم بمصيري، وأن تخلطوا في وعيكم بين الدولة وشخصي، بين الجيش ووجهي، بين الجمهورية واسمي، وهنا نصل إلى الحقيقة التي نخجل أحيانًا من الاعتراف بها: حافظ الأسد لم يحكم كـ(علوي)يحمي طائفة، بل كعسكري بعثي يبني نظامًا أمنيًا–عائليًا تحيط به حاشية سنية وبيروقراطية واقتصادية، ويستخدم الفقر العلوي والدم العلوي كدروع في خطوط النار،
نحن لم نكن شركاء في هذا الحكم، بل مادة خام له.
ومع ذلك، ليس صحيحًا أن العلويين كانوا كتلة واحدة خلفه، فهناك تيار علوي واسع في السبعينات والثمانينات عارض حافظ الأسد بجرأة: شيوعيون، بعثيون منشقّون، يساريون، مثقفون، نقابيون، طلاب، سبعينيّون حملوا رؤوسهم على أكفّهم ورفضوا أن تتحوّل الطائفة إلى خزان لا ينضب للجيش والأمن، هؤلاء لم يكونوا ضد الدولة ولا ضد المؤسسات، بل ضد تحويل الدولة إلى ضيعة خاصة، وضد اختزال الجيش في صورة (جيش القائد)، ومن بينهم من سُجن ومن قُتل ومن حُطم اجتماعيًا لأنهم قالوا ببساطة: نحن أبناء الجمهورية ولسنا حرسًا شخصيًا لقصر، لكن سردية النظام محَتهم من الذاكرة وصدّرت للعالم ولأنفسنا أكذوبة أن «الطائفة كلها مع الأسد»، بينما الحقيقة أن كثيرين منّا كانوا ضد النظام، ولم يكونوا يومًا ضد سوريا أو مؤسساتها.
إذا عدنا إلى فرويد مجددا نعرف أن مرحلة النضج لا تبدأ إلا بـ(قتل الأب)رمزيًا في وعينا، أن نراه بشرًا يخطئ ويصيب، لا إلهًا يشرّع التاريخ، وإذا عدنا إلى يونغ ندرك أن تحرّر الجماعة لا يكتمل إلا بالانفصال عن الأرشيتيب الذي ابتلعها، أن تخرج من ذوبانها في صورة الأب القائد، وتستعيد ظلّها وروحها الخاصة،.
نحن اليوم، كعلويين، نحتاج هذه القسوة مع أنفسنا: أن نقول إن علاقتنا بالدولة قبل حافظ كانت علاقة مواطن هش بدولة هشة لكنها أكبر من شخص، وأن علاقتنا بالدولة بعد حافظ تحوّلت إلى علاقة طائفة أسيرة برجل استولى على مؤسساتها وجعلها مرآة لوجهه، وأن فقرنا لم يكن قدرًا طبيعيًا بحتًا، بل كان أيضًا أرضًا خصبة لاستغلالنا؛ جرى تجفيف روح الطائفة، وتجريدها من تراثها الديني والإنساني، وتحويلها إلى هوية عسكرية أمنية لا تعرف عن نفسها إلا من خلال الرتبة والسلاح والولاء، جرى دفعنا بعيدًا عن روحنا الصوفية العرفانية، عن تعدّدنا، عن فقرنا النبيل، إلى خشونة مصطنعة نُستعمل فيها كأدوات.
اليوم، حين ننظر في المرآة، نرى أننا لسنا «أبناء حافظ»، ولسنا «حرس الأسد»، بل نحن أبناء قرى مهدّمة وأحياء منكوبة، أبناء آباء سُجنوا على يد من سمّوه «الأب القائد»، أبناء أمهات بكين أبناءهن في الحروب بلا أن يفهمن لأي وطن ماتوا، نحن في جوهرنا أيتام جمهورية سُرقت منا، قبل أن نُذبح نحن باسمها، إن إسقاط حافظ الأسد الذي في رؤوسنا ليس دعوة للإنكار ولا سبًا لذكريات من شعروا بالأمان في عهده، لكنه قطيعة مع الكذبة التي قيلت لنا نصف قرن: أن وجودنا لا يساوي شيئًا بلا هذا النظام، وأن فقرنا وانتماءنا قدر يجب أن يُدار من فوق، إنني أكتب هذا بلسان وقلب علوي يعرف طعم الفقر والدفتر الذي يحمل صورة الجلّاد، ويعرف أيضًا أن في طائفتنا رجالًا ونساء وقفوا ضد هذا الاستغلال ودفعوا حياتهم ثمنًا لمحاولتهم ردّنا إلى روحنا، إلى إنسانيتنا الأولى، هذه ليست فقط مراجعة لمرحلة، بل دعوة قاسية وواضحة: أن نُسقط الأب في وعينا، أن نقطع الحبل السري مع نظام استخدمنا ثم رمانا في المحرقة، وأن نقول لكل طائفة في سوريا وخارجها: لا تصنعوا حافظ الأسد الخاص بكم، لا ترفعوا رجلًا واحدًا إلى مرتبة الأب الجمعي، لا تربطوا مصير أبنائكم بوجهٍ معلّق على جدار، فكل أبٍ يتضخّم إلى هذا الحد يلتهم أبناءه أولًا، ثم يتركهم أيتامًا في العراء.