كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

خطر التزييف البنيوي للذاكرة الجمعية وتشويه الوعي باستخدام أداة الصورة الذهنية

محمود اسماعيل

رؤية تحليلية بالاستناد إلى نظرية الصورة الذهنية
****
في كتابه الصورة الذهنية يرى جيرالد هوتر أن الصور الذهنية هي كل التصورات التي نحملها داخلنا، والتي تحدد أفكارنا ومشاعرنا وأفعالنا، وهي عبارة عن نماذج مخزنة في العقل تستخدم كإطار لفهم العالم والتخطيط للأفعال وتقييم ما نراه جميلا أو جذابا أو قبيحا أو منفرا...
و يشير إلى أن الأفراد والمجتمعات قد يعيشون وفق صورة ذهنية مهيمنة حتى لو أن الواقع مختلف، إذ يتصرفون كأن تلك الصورة هي الواقع نفسه....
الذاكرة الجمعية:
تتشكل الذاكرة الجمعية في المجتمع من روايات وتعليم وصور التراث، ومن الإعلام وهو أخطر أدوات صناعة هذه الذاكرة، ومن الأيديولوجيا، وهذه الذاكرة غالبا ما تصاغ أو تعدل من قبل فاعلين اجتماعيين (دولة، نخبة، جماعة) لتعزيز هويتهم أو سلطة معينة.
من خلال منظور هوتر يمكن القول إن تلك الذاكرة الجمعية تُشكل صورة ذهنية جماعية أي إطار ذهني مشترك يرى الماضي والحاضر والمستقبل بطريقة معينة.
التزييف البنيوي:
التزييف البنيوي يعني أن البنية (المؤسسات، المنظومات التعليمية، الإعلام، السياسات) تعمل على تعديل أو حذف أو إعادة إنتاج صور ذهنية تساهم في تشكيل الوعي الجمعي بطريقة تخدم مصالح معينة. مثلاً: حذف ذكر مآسي أو إبراز جانب معين فقط من التاريخ، أو رسم صورة عدو خارجي لتثبيت التماسك الداخلي.
هذا يشبه ما وصفه هوتر بـ استحالة مقاومة الصورة الذهنية ما لم نعترف بها أولا ولم نحولها. بمعنى أن محاولة تغيير السلوك أو المعرفة دون تغير في الإطار الذهني ستكون جزئية.
في المجتمعات المعاصرة، نرى مثلا أن وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي تكرس صورا ذهنية نمطية (الآخر الشرير)، (العدالة تبدأ منا)، (نحن المتضررون)، (السلطة الشرعية) التي تصب في تشكيل الوعي العام. هذه الصور يتم تثبيتها عبر التعليم، التلفزيون، الإنترنت، الاحتفالات، الرموز الوطنية، وما إلى ذلك.
تشويه الوعي:
عندما تفرض صورة ذهنية لا تتطابق مع الواقع، تنتج فجوة الفرد أو المجتمع يعي بأن الواقع مختلف، لكن الإطار الذهني يعيش كأنه الحقيقة. وهذا يؤدي إلى شعور بعدم الانسجام أو قبول الواقع كخطأ أو استثناء أو تكيف معه لكن بوعي مشوه.
تشويه الوعي يأتي عندما تحول تلك الصور الذهنية إلى أدوات للسيطرة بمعنى أن يستخدم الصورة الذهنية كسلطة رسمية أو إعلامية لإخفاء أولطمس أو لإعادة تدوير الذاكرة. على سبيل المثال: تصوير حقبة تاريخية بشكل مثالي أو مثقل بالألم، لتوليد مشاعر معينة –كبناء هوية جماعية قائمة على الضحية أو الانتصار أو الاستمرار في النضال.
من منظور هوتر إن القدرة على إعادة بناء الصور الذهنية هي مدخل تغير حقيقي وليس مجرد معالجة ظاهرية. أي أننا إن أردنا أن نحرر الوعي أو نستعيد ذاكرة جمعية أصيلة لا يكفي تغيير الحقائق أو المعلومات بل علينا أن نسائل ونغير الصور الذهنية التي تشكلت عبر الزمن.
مثلا في مجتمع ما، تروج صورة ذهنية تقول: نحن تاريخيا مظلومون والجميع حولنا يريد احتلالنا أو تهميشنا. هذه الصورة قد تكون لها وظيفة استبطانية – توحيد الهوية، تحفيز المروءة – لكنها إذا استخدمت بلا نقد تتحول إلى مانع للتطور، ومصدر للعنف أو الانغلاق أو رفض الآخر. وهي هنا صورة ذهنية تعمل كإطار يعيد إنتاج السلوك أكثر منه الواقع.
أو في الجانب الآخر، يمكن أن تصوغ السلطة صورة ذهنية تقول: الجهات المعارضة هي خونة والتاريخ يجب أن يقدس السلطة الحالية. هنا يكون التزييف البنيوي للذاكرة الجمعية: حذف ما يخالف الصورة وإعادة كتابة تاريخ وتثبيت صورة ذهنية للمجتمع كمستقر نقي في حين الواقع خلاف ذلك.
هذا التشويه لا يحدث فقط عبر الأكاديميات أو الإعلام الرسمي بل عبر التعليم والمناهج والرموز والاحتفالات حتى اللغة اليومية كلمات معينة تكرر، عبارات تشتهر، ونكات أو صور تتداول تثبت ذلك الإطار الذهني.
وهو أمر خطير لأنه يعني أن تغيير السلوك أو السياسات أو الواقع قد لا يكون فعالا ما لم يعالج الإطار الذهني أي الصور التي يحملها الأفراد والمجتمع.
لأن الصور الذهنية تتحول إلى إرث، إلى عادة ذهنية داخل المجتمع، فتورث (بما يشبه ما يشير إليه هوتر من أن بعض النماذج الدماغية يعاد تشكّها عبر التكرار والتنشئة) لأن الوعي الجمعي يصبح مختطفا من قبل صور ذهنية مهيمنة بحيث إن مقاومة أو نقد هذه الصور تحتاج إلى جهد معرفي وثقافي عميق وليس مجرد معلومة أو حق جديد. 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية