كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قبسات عن الحزب الشيوعي السوري

علاء الدين تلجبني

تقول خلود الزغير في كتابها سورية الدولة والهوية: قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية (إن البنية التنظيمية للحزب الشيوعي كما الحزب القومي السوري الاجتماعي، وعلاقة أعضائه بالزعيم خالد بكداش، كانت أشبه بأفراد عشيرة تخضع لقرارات زعيمها الذي لا يُجادَل. يشرح يوسف فيصل في مذكراته كيف قررت قيادة الحزب ألّا يمارس مهنة الصيدلة التي درسها، واختارت له طريقًا مهنيًا آخر لخدمة الحزب، ثم طلبت منه الزواج قبل سفره، ويتابع سرده بالقول: إن تدخلات القيادة في خيارات الأعضاء الشخصية بلغت حدًّا تأخذ فيه القيادة دور العائلة، ويصبح القائد الحزبي أبًا يُقوّم الوضع الاجتماعي لأزواج أولاده وزوجاتهم، والزواج لن يتم إلا بموافقته. بعد الزواج سوف يطلق يوسف فيصل، كما معظم رفاقه، اسم (خالد) على ابنه الأول تيمنًا بالزعيم. هذا النمط من العلاقات داخل الحزب جعل القرب والتزلف والطاعة للقيادة تحكم ترقي الأعضاء في سلّم المناصب، كما كان أي نقد للقيادة يؤدي إلى الفصل بقرار يصدر من الأمين العام).
في الثامن والعشرين من تشرين الأول عام 1924، اجتمع نفر من الشباب السوريين واللبنانيين من عرب وأرمن ويهود في بيروت معلنين تأسيس الحزب الشيوعي في سوريا، مستفيدين من تجربة الحزب الشيوعي المصري والفلسطيني وعبر المهجر.
تبنى الحزب منذ تأسيسه التعاليم الماركسية اللينينية، واعتبر نفسه جزءًا من الحركة الشيوعية العالمية التي يقود مسيرتها الحزب الشيوعي السوفييتي، وأسسوا في بيروت جريدة الإنسانية تيمّنًا بجريدة الأومانيتيه.
يمكن تقسيم مسيرة الحزب إلى مراحل أوردها الكاتب هاشم عثمان، أولها مرحلة التأسيس التي تمتد من العام 1924 إلى العام 1936، وفيها انعقد أول مؤتمر للحزب في 9 كانون الأول/ديسمبر 1925، وتم فيه انتخاب فؤاد شمالي سكرتيرًا للحزب. وابتداءً من العام 1930 بدأنا نقرأ على صفحات الجرائد السورية مقالات عن خطر الشيوعية في سورية والحلول الواجب اتباعها لتلافي خطرها.
المرحلة الثانية تمتد زمنيًا من العام 1937 إلى الاستقلال في 17 نيسان/أبريل 1946. في بداية هذه المرحلة، العام 1937، تم انتخاب خالد بكداش أمينًا عامًا للجنة المركزية، وعمل إلى جانبه فرج الله حلو وأرتين مادويان ونقولا شاوي، حيث شكلوا معًا نواة لينينية لمدة ربع قرن، ثم انضم إليهم فيما بعد بعض اللبنانيين والسوريين وشكلوا القيادة المشتركة للحزب.
أما عن خالد بكداش، فهو من مواليد دمشق عام 1912، وكان واحدًا من ثلاثة طلاب بارزين معًا في مكتب عنبر، أحدهم بكداش والآخران أكرم الحوراني وعلي الطنطاوي. عُرف عن بكداش الذكاء والشجاعة ومهارات الخطابة.
يقول باتريك سيل في كتابه الصراع على سوريا: (في عام 1930 انضم للحزب الشيوعي عضو جديد هو طالب كردي يدرس الحقوق من دمشق اسمه خالد بكداش، وكان آنذاك في الثامنة عشرة من عمره. في عام 1932 أفلح بكداش في إبعاد الشمالي من القيادة في ظروف لا تزال غامضة حتى الآن، كما طُرد من الجامعة لنشاطه السياسي قبل أن يتخرج منها. وفي السنوات الخمس والعشرين التالية كان بكداش أحد قادة الشيوعيين في العالم العربي، واشتهر بموهبته السياسية المكرّسة للحزب وبمهارته الفائقة في تجنب الاعتقال).
المرحلة الثالثة، ومداها من الاستقلال في 17 نيسان/أبريل 1946 إلى الوحدة السورية المصرية في 21 شباط/فبراير 1958. خلال هذه الفترة عمل الحزب على انتهاج سياسة استفزازية عبر بعض التصرفات كمناصرة الصهيونية، واتهام زعماء بعض الأحزاب بالعمالة للإمبريالية، وتوزيع المناشير التي تحض على العصيان.
كان اللافت والبارز الوصول المدوي لخالد بكداش إلى البرلمان السوري بعد نجاحه لشغل أحد مقاعد دمشق كأول نائب شيوعي في تاريخ سوريا الحديث.
أصدر الحزب سنة 1955 صحيفة اسمها النور.
مورست ضد الحزب الكثير من الملاحقات، وأثيرت ضد أفراده العديد من القضايا بحجة أنه حزب شعبوي معادٍ للقومية العربية، وتعرض بعضهم للتنكيل والتعذيب بوحشية، ومنها حادثة قتل فرج الله الحلو وتذويب جثته بالأسيد، كما مُنع بكداش من دخول سوريا طوال فترة الوحدة.
المرحلة الرابعة: من العام 1964 وإلى اليوم، وهي أهم وأخطر مرحلة في حياة الحزب. حدثت فيها أحداث جسام على صعيد الوضع الداخلي للحزب.
وكان أول ما شهدته هذه المرحلة انفصال الحزب الشيوعي السوري عن الحزب الشيوعي اللبناني واستقلاله بنفسه ابتداءً من العام 1964، بعد أن كان الحزبان حزبًا واحدًا طوال أربعين سنة.
في الثالث من نيسان 1972 تعرض الحزب إلى خضة أدت لانقسامه بسبب الخلاف على نقطتين جوهريتين:
الأولى: مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية.
الثانية: تتعلق بالقضية الفلسطينية واعتبار إسرائيل واقعًا لا يمكن تجاهله، كما طرح خالد بكداش.
أدى الانقسام إلى خلق جناحين للحزب:
جناح بكداش وفيصل الموالي للسوفييت.
جناح المكتب السياسي الذي ترأسه رياض الترك، وكان يضم أيضًا عمر قشاش ودانيال نعمة وإبراهيم بكري.
وازدادت بعد ذلك الانقسامات أكثر فأكثر، التي كان أحد أسبابها ضغوط الحكم البعثي التي كان لها دور في استفحال الانقسامات، ما دفع الحزب للانضمام إلى الجبهة الوطنية التقدمية.
في عام 1979 انشقت منظمات القاعدة بزعامة مراد يوسف عن بكداش، وانشق عام 1986 يوسف فيصل عنه أيضًا.
الحزب عضو مؤسس في الجبهة الوطنية التقدمية بجناحيه (بكداش - فيصل).
يقول الدكتور عبد الله حنا: (أنهكت أعوام السجن المنفرد الطويلة رياض الترك الذي كان قد اعتقل في عام 1979، وشتت شمل الحزب، وعلى الرغم من جو الإرهاب والقمع والسجون تمكن الحزب من البقاء حيًا، وقاده في الداخل ثلاثة من كوادره هم عبد الله هوشة من اللاذقية، ومازن عدي من حماة، ومروان مسوتي من حلب).
لقد عانى الحزب الشيوعي كثيرًا من تقلبات السياسة السورية التي أجبرته على تعديل خطابه السياسي وتلوينه بما يلائم كل مرحلة سياسية. ففي مطلع الخمسينات، وغداة وضع الدستور الشهير، أرسل مذكرة إلى الجمعية التأسيسية استخدم فيها مفاهيم من قبيل (الأمة السورية) و(الوطن السوري)، فالأمة كانت تعني له سوريا. غير أن بكداش، وبعد وصوله إلى البرلمان منتصف الخمسينات، وتماشيًا مع ارتفاع نبرة الخطاب العروبي، ألقى خطابًا في عام 1955 اعترف فيه بامتلاك (الأمة العربية) جميع مقومات الأمة، فلم يستطع خطاب الحزب في ذلك الوقت إلا مجاراة المد القومي العربي السائد. ومع قيام الوحدة مع مصر اتصف خطاب الحزب بالانعزالية والتقلب، ورفض الوحدة عندما اشترط الوحدة الكونفدرالية، وتغيب بكداش عن جلسات البرلمان للمصادقة على الوحدة، ثم ما لبث أن عاد مع قيام انقلاب الثامن من آذار لطرح مفهوم الأمة والقومية عبر مفهوم اشتراكي. وبذلك يمكن القول إن مسيرة الحزب الشيوعي في سوريا كانت انعكاسًا مباشرًا للتحولات السياسية والفكرية في البلاد، حيث حاول التكيف مع كل مرحلة دون أن يفقد وجوده السياسي. غير أن هذا التكيف المتكرر جعله في كثير من الأحيان أسير التناقضات بين مبادئه الفكرية ومتطلبات الواقع السياسي المتبدّل.
المصادر:
صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سوريا — عبد الله حنا
الأحزاب السياسية في سوريا السرية والعلنية — هاشم عثمان
باتريك سيل، الصراع على سوريا
سورية الدولة والهوية: قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية — خلود الزغير
 
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟