كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ما الذي يجمع العلويين ببعضهم؟

ريتا خير بك

ما الذي يجمعنا؟
سألتُ السؤال بصوتٍ عالٍ منذ يومين: ما الذي يجمع العلويين ببعضهم؟
جاءتني الإجابات مثل عروق ماء تحت صخورٍ عتيقة: قال بعضكم العاداتُ والتقاليدُ وطريقةُ العيش البسيط؛ وقال بعضكم الذاكرةُ الجمعيةُ بما حملته من حبٍّ للعلم والنقاش وانفتاحٍ على المختلف؛ وقال آخرون القيمُ المشتركةُ والكرامةُ والعقلُ الحرّ والقلبُ الفطري؛ وقال كثيرون: المجازرُ والقتلُ والمصيرُ المشترك؛
وقال قِلّةٌ: عليٌّ والنورُ الذي يسكُن أرواحَنا، وما قلّ ذِكره لم يكن غائبًا عن جوهرنا بل هو نحن ونحن هو.
وأنا، العلويةُ النصيريةُ التي قضت معظمَ شبابها خارج سوريا، لم أعد إلى علويتي لأنني لم أغادرها يومًا؛ أنا فقط صرتُ أعبّر عنها.
يبدأ ربطي بكم من نفسي: من جدي أبو جميل، العلويّ النصيريّ الأول في حياتي، في عيد ميلادي الأول، بكامل أناقته: الطقمُ الرسميّ، العِقالُ، الشماغُ الحرير، كأنه ذاهبٌ إلى مجلس الوزراء لكنه كان ذاهبًا إلى قلبي، يحملني في حضنه ويقبّلني في بيتنا المتواضع؛ ومن جدتي أم جميل التي زرعت في قلبي حبّ أمير النحل، حبًّا بلا سيف ولا ضغينة، حبًّا يشبه ندى الفجر على سنابل القمح.
ما يجمعني بكم هو الانتماء للحبّ، للعلم، للتاريخ، للوجع، للغةٍ تظلّ لهجتُها معنا ولو ابتعدنا مئة عام، لقرابةٍ لا تقيّدها الشجرةُ المدنية بل تعمّدها الأرواح؛ نحن كما قال أحدكم: جسيماتٌ متشابكةٌ كموميًّا: إذا تغيّر واحدٌ منا في أستراليا ارتجف قلبٌ في أوروبا وتنهّدت شجرةُ سروٍ في ضيعةٍ على الساحل، ذاك لأنّ الذاكرةَ والاضطهادَ والارتقاءَ الروحيّ نسجت بيننا خيطًا أدقَّ من الضوء وأمتنَ من الحديد.
يجمعنا أننا برغم الفقر الذي سمّاه بعضكم، وبرغم القرون التي حاولت أن تنزع أسماءنا وتستبدلها بوصمات لم نتخلَّ عن إنسانيتنا؛ عشنا بين الوحوش ولم نصِر وحوشًا؛ حملنا التراب على ظهورنا من الجولان إلى أضنة ولم نسقط من قامة الروح؛ تعلّمنا أن نحتضن المختلف ما دام لا يعتدي، وأن نفتح القلب والعقل بلا وصاية؛ في الغربة نتعرّف إلى بعضنا بلا تعارف: يدقّ الدم فجأة، تقول العين: هذه القرعة تعرفني، كأننا أولادُ حارةٍ واحدة.
يجمعنا أيضًا أن الموتَ مرّ بنا كثيرًا ولم يأخذ قدرتنا على الحبّ؛ وأن السابعَ من آذار هزّنا جميعًا كأنه لا غدَ بعده: تاريخٌ انفتح مثل جُرح، فصار الضوءُ فيه أوضحَ من كلِّ الأكاذيب، وصار اسمُ الطفلِ الشهيدِ حارسًا لذاكرتنا، وصار السؤال: كيف نبقى ونشهد ونتضامن؟
نعم يجمعنا عليّ: نورُ التكامل والحقيقةُ الواضحةُ التي لا تحتاج سيفًا كي تُفهَم؛ يجمعنا أن باطنَنا يعرف التقمّص والخلود ويقرأ المعنى خلف الألم؛ يجمعنا أن كثيرين منا لا يضعون العقيدةَ شرطًا للقرب بل يجعلون الكرامة والعدل ميزانًا؛
يجمعنا أن الفلسفةَ عندنا ليست ترفًا بل نجاة، وأن الرياضياتَ كما قلتُ مرة تُعلّمنا أن بعض المعادلات لا تُحلّ إلا بالحبّ.
ما يجمعنا يا اولاد العم من ضيعة الغجر في الجولان إلى أضنة، من قمم الصنوبر إلى زيتونةٍ تُقاوم الجفاف في آخر التلّة، هو هذا الحبلُ السريّ الممتدّ بين الذاكرة والكرامة؛ ما يجمعنا أنّنا، حين ننادى باسمنا الحقّ، ننهضُ كجبل: حزنٌ فيه شموخ، ودمعٌ فيه عزيمة، ونجاةٌ تُشبه صلاةً بلا خطاب.
لذلك، فهذا النصّ دعوةٌ لاختبار خيط القرابة في كلّ ما يمكن أن يقرّب: في الدين لمن شاءه، في العادات لمن يحفظها، في المقامات لمن يتبرّك بها، في اللغة لمن يتهجّاها، في العلم لمن يطلبه، في الخبز والملح لمن يقاسمه، المهمّ أن نجتمع. لنتواطأ على الحياة لا على الصمت، على التضامن لا على النسيان: تعالوا نضع أيدينا على هذا الجذر ونقول: نحن أقاربُ بالنور، شهودٌ على الألم، ورثةُ حبٍّ لا يَدينُ أحدًا، أبناءُ ذاكرةٍ لا تُباع، وإذا خُيّرنا أن نولد من جديد سنختار أن نولد حيث لا يُهدَّد الله بل يُحتضن، وأن نعيد كتابة جواب السؤال كلَّ يوم: ما الذي يجمعنا؟ يجمعنا أننا مهما تفرّقنا واحد.
وان النجاة ليست فردية بل نجاة السلسلة كلها
**** 
إذا سألني أحد: ما حلمك؟
أقول: أن أرجع إلى الساحل، وأفتح بيت عزاء واسعًا كصدر البحر، أسبوعًا كاملًا على عادة أهلنا. نُشعل البخور، نلبس السواد، ونعدّ الأسماء واحدًا واحدًا، فلا يضيع اسمٌ في ضجيج الدنيا ولا تختلط الوجوه في غبار السنوات. هذا عزاءٌ يليق بالشهداء، عزاءٌ يليق بيوم السابع من آذار، يوم صار الجبل أثقل، والبحر أعمق، والبيوت بلا ضحك.
أحلم بعزاء لا يُساوم ولا يُدجَّن؛ عزاءٍ يفتح النوافذ للريح كي تشهد، ويضع الحقيقة على الطاولة بلا زينة: لقد رحل شبابنا لأنهم هم هم، لا لشيءٍ آخر. نُقيم حدادنا كما تُقام الصلاة الأولى، بصمتٍ صلبٍ وبكلمات قليلة لا تخون. نحمل الملح من عيون الأمهات إلى الشاطئ، ونردّه موجًا يعود بأسمائهم كل صباح.
هذا وعد.
وعد علينا نحن المبعثرين في الشتات: أن نرجع، أن نقيم العزاء الذي يليق بهم، أن نثبت للذاكرة أنها ليست كتابًا للفرجة بل عقدًا بين الأحياء ومن غابوا. وعدٌ لا تُطفئه المسافات ولا تغيّره مواسم البلاد البعيدة. سنعود إلى الساحل، لا لنبكي وحدنا، بل لنُسمي القتلى شهداء، والغياب حقًا علينا، والذاكرة وطنًا مؤقتًا حتى يكتمل الوطن.
وإن ضاق بنا الطريق، نوسّعه بأقدامنا. وإن أُغلقت الأبواب، نطرقها بأسماء الشهداء. هذا الحدادُ حقّهم علينا، وهذا الوعدُ عهدُنا لهم: أن لا تُطوى الصفحة، وأن يبقى البخور مشتعلاً، والسواد رايةً حتى يطمئن الجبل ويهدأ البحر.
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟