إلى محمّد بن نصير.. تحية وبعدُ: شكرًا
2025.10.23
ريتا خير بك
إلى محمّد بن نصير، تحية وبعدُ
شكرًا.
أكتبُ إليكَ من زمنٍ مُثقَّلٍ بالفجيعة، أختبرُ فيه معنى أن تتوهَ الأسماء ويبقى المعنى واقفًا كحَبّةِ ملحٍ على شفَةِ البحر. نحن الذين تعلّمنا أن النورَ الحقيقي لا يطلبُ لافتةً، وأن النور المتكامل لا يزيده السترُ إلّا سعةً، ولا يُنقِصه البُعدُ إلّا حضورًا. علّمتنا، عبر صدىٍ يصل ولا يُشار إليه، أنّ الطريق إلى الله ليس ازدحامَ صُوَرٍ، بل خفّةُ قلبٍ يضع وزنَه في ما لا يزول.
يا أبا شعيب،
نكتبُ اليوم بأصابعَ مبلولةٍ بملحِ المَنافي. قُتِل من قُتِل لأنّه تمسّكَ بفكرةٍ تُضيء من الداخل، وهُجِّر من هُجِّر لأنّه حمل في صدره سرًّا لا يقبلُ أن يُباع. نُطاردُ بلا ذنبٍ إلّا أنَّ لنا نظرةً تُسمي الأشياء بما هي عليه: ظاهرٌ يمرّ، وباطنٌ يبقى. نحتفظُ بما يُطعِمُ الروح كما تحتفظُ الأمهات بخبزِ العائلة حين يشتدُّ الحصار. نتواصَلُ بالإيماء، ونعرف أن السِّرَّ، حين يَصدُق، ليس هربًا من العالم بل طريقةُ بقاءٍ فيه.
أعرفُ أنَّ التاريخَ لم يرفق بنا: جغرافياتٌ مُمزَّقة، أبوابٌ مُغلقة، ووجوهٌ تُمحى من السجلات. لكنّي، كلّما انكسرتْ في صدري مرآة، تذكّرتُ ما يشبه درسَك: إنَّ المعنى هو الأهمُّ؛ أنّه النورُ إذا تكمَّل لا يطلبُ شاهدًا عليه. نحن نخطئ حين نصنعُ من الدليلِ غايةً، ومن الغطاءِ صنمًا. ليس الغرضُ أن نُقيم حول النور أسوارًا جديدة، بل أن نحمي القابل من أن يحترق، وأن نحمي النور من أن يُبتذَل في الأسواق.
هكذا فهمتُ الحكمة: أن يُؤخذ الضياءُ بالرِّفق، وأن يُتركَ مجالٌ للحرّيّة كي تتفتّح أمامه من الداخل، لا أن تُساق إليه مُكرهةً بسطوعٍ لا يُحتمل.
أكتبُ إليكَ لا لأطالبَ بعالمٍ بلا ألم، فهذا وَهم، بل لأستردَّ ميزانًا فقدناه: أن نقفَ عند كلّ ما يُقال لنا ونسأل: هل يفتحُ على المعنى أم يحجبه؟ هل يزيدُ القلبَ سعةً أم يُثقلُه بعناوين؟ نحن أبناءُ طريقٍ يجرِّد ما كثُفَ، ويهذِّب ما فَضُل، ويذكِّرنا بأنَّ الكرامةَ ليست صخبًا بل قدرةً على حملِ النورِ بصمتٍ دون أن نخونَه. لذلك أضعُ أمامك هذا الرجاء: أن لا نسمح، بعد كلّ هذا الدم، أن تنقلب إشاراتُنا إلى جدران، وأن لا نصير نحنُ الحجابَ الذي كُنّا نهربُ منه.
يا محمّد بن نصير،
نحن، الذين نُسمَّى على عجلٍ بما لا يعرفون، لا نطلبُ براءةً أمام أحد، بل صفاءً أمام أنفسنا.
نريدُ أن يبقى المعنى فينا أكبرَ من جراحِنا، وأن يبقى النورُ أرحبَ من أسماء الأحزان. نعرفُ أنّ من رَحلوا لم يغادروا إلّا أثقالَهم؛ وأنّ الذين سقطوا ظلّتْ لهم في الهواءِ خطواتٌ تُرينا الطريق. لا نُقدّسُ الألم، لكنّنا لا نسمحُ أن يُنسَى: نُذكِّرُ به لأنّه جزءٌ من صياغة ضميرٍ لا يساوم. نُذكّرُ به كي لا يُعاد، ولكي نفهمَ لماذا يتقدّم المعنى كلّما طالَ الليل.
وها هي أنا امرأةٌ علويّةٌ نصيريّة، أضع شكري بين يديك:
شكرًا لأنّك همستَ بما يكفي كي نُكمل، ولم تصرخْ بما يكسرنا. شكرًا لأنّك تركتَ لنا ما نضع عليه رؤوسنا حين يغلبنا البكاء: يقينًا صغيرًا يقول إنَّ ما يذهبُ هو الزَّبد، وما يبقى هو ما لا اسمَ له إلّا أنَّه النور إذا تكمّل.
سلامٌ على الذين حملوا المعنى ولم يحملوا أنفسَهم عليه.
سلامٌ على من قُتِلوا لأنّهم لم يبيعوا سرَّهم.
سلامٌ على من يهجّرون اليوم، وعلى الذين يفتحون في الخرائط الضيّقة فسحةً تكفي لمروحةِ ضوء.
يا مؤسّس لغتنا الخفيّة،
أسلِّمُك هذه الرسالة مثل وديعةٍ صغيرة: أن نبقى أهلَ المعنى قبل أيّ لقب، وأن نُحسنَ الأدبَ مع النور: لا نفرِّطُ به باسم الانفتاح، ولا نحتكره باسم الخصوصيّة. وأن نقولَ لأولادنا: لا تُلقوا بأرواحكم في صخبِ الشعار، ولا تتركوا قلوبكم للهواء. امشوا على هَدْيٍ: ظاهرٌ رفيق، وباطنٌ رحيم، ومعنىً يُمسِكُ اليدَ إذا خانتها الأرض..
حفيدتُك — امرأةٌ علويّةٌ نصيريّة
من القرن الحادي والعشرين
تحرسُ في صدرها ما لا تُحصيه الأسماء.