تراجع الفكر والثقافة الاستهلاكية
2025.10.15
يونس كامل صالح
إذا كانت الثقافة الأصولية هي سمة من سمات النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم، فإن الثقافة الاستهلاكية أضحت السمة الغالبة في العقود الثلاثة الأخيرة، وتزامنت مع بروز ظاهرة العولمة. ويأتي انتشار هذه الثقافة بعد تراجع الفكر بشتى ضروبه من الساحة الثقافية العالمية، وبروز شريحة الاقتصاديين الجدد أو دعاة اقتصاد السوق الحر كبديل لقيادة العالم، والذين جاؤوا بقيم وممارسات أدت في النهاية إلى أزمة اقتصادية عالمية من دون وجود مؤشرات حاسمة إلى انتهائها حتى الآن.
وقد نتج عن تراجع الفكر والمفكرين أنّ تفشت مظاهر سلبية عديدة خلقت مشكلات جديدة تجاوزت طبيعتها وحدتها المشكلات المعروفة. فأول أسوء مظهر لغياب الفكر هو بروز مظاهر الثقافة الغريزية بحيث أصبحت غرائز الإنسان مثل الهيمنة وحب التملك والجنس وغيرها علامات بارزة في مختلف المجتمعات. فميزة الفكر بأنّه كان يشكل البصيرة أو الرؤية التي يسير عليها المرء في حياته، وينظم سلوكه وممارساته، ويلجم أو يحد من الأهواء الذاتية والغريزية، ويقدم مبادئ ومثلاً يسير عليها الإنسان، ويحاول أن يحققها وينشرها بين أفراد المجتمع، ويعطي المرء شعوراً أو معنى للحياة. كما يشذب العديد من القيم مهما كان، ويؤطرها بطريقة تحد مما قد ينتج عنها من مظاهر سلبية.
كما عززت الثقافة الاستهلاكية بشكل غير مسبوق من قيم الانتهازية وتحقيق الأهداف والرغبات الشخصية خصوصاً تحقيق الغنى والربح المادي بشكل سريع وبشتى السبل، حيث أخذت الوسائل غير الشرعية بالانتشار وتحولت تدريجياً إلى قيم ثقافية، أو بالأحرى ثقافة وسلوك لتحقيق ما يريده المرء من أهداف.
وامتدد الأمر إلى ظاهرة تشيؤ الإنسان، أي إعطاء قيمة للإنسان من خلال ما يملكه من أشياء، بغض النظر عن سلوكه وقيمه ومدى أصالة ثقافته أو دوره الخيّر في الإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه.
وبذلك أصبحت المظاهر الاستهلاكية والشكليات مقياساً لتحديد قيمة الإنسان لا مضمون شخصيته الذاتي، وما تحمله من قيم أو مواقف. وبشكل عام أجهضت الثقافة الاستهلاكية معظم المعايير والقيم الرصينة التي تميزت بها الكثير من المجتمعات وحافظت على روحها الجماعية والنظر للصالح العام لا المصالح الضيقة أو الشخصية. فضلاً عن تفشي مظاهر الأنانية وحب الذات والمصلحة الشخصية الخاصة والمشكلات الاجتماعية الحادة التي جاءت مع تلك الثقافة.
وبما أنّ الثقافة الاستهلاكية خالية من المضمون الفكريّ والقيم الرصينة، فإن مسألة التغلب عليها تأتي بالدرجة الأولى من خلال إيجاد السبل التي تحيي الفكر، أي العمل على نشر الوعي بالنتائج السلبية لهذه الثقافة. والوعي بحد ذاته يعني تنوير العقول وتنبيهها بما لا تعلم فيه من نتائج وممارسات لما تقوم به. ولا يمكن خلق ثقافة أو فكر بديل إلا من خلال أفكار التنوير التي لم يكن الهدف منها فقط التخلص من هيمنة رجال الدين وبناء المعرفة الإنسانية المدنية فقط، بل مقارعة أي ثقافة أو فكر يمكن أنّ يجرد الإنسان من إنسانيته، ويجعله رهينة لأهوائه الشخصية وغرائزه، ويلغي العقل والتفكير العقلاني الذي تجاوز الإنسان من خلاله الكثير من الأزمات والفترات الحرجة من تاريخ الإنسانية.