إلغاء عيد الشهداء وعيد المعلم محوٌ للذاكرة وللكرامة
2025.10.13
مروان حبش
في كل أمة تسعى إلى النهوض، هناك رموز، وهناك تواريخ، وهناك أسماء منقوشة في الوجدان الجمعي لا تُمسّ، لأنها ليست مجرد تواريخ أو طقوس عابرة، بل هي علامات على الطريق، منارات في ذاكرة الشعوب، تضيء حاضرها، وتوجّه مستقبلها. وعيد الشهداء، كما عيد المعلم، ينتميان إلى هذا النوع من الرموز التي لا يجوز العبث بها، لا سياسيًا ولا ثقافيًا.
في خضم موجات متتالية تقودها أحيانًا جهات ذات مصلحة في إعادة تشكيل الوعي التاريخي للشعوب بما يخدم سرديات سياسية جديدة، تكون المفاجأة بقرارات تتعلّق بإلغاء أو تغييب رموز كهذه. بقصد إفراغ الوعي من سياقه النضالي والنهضوي، والتشويش على ما هو حق وطني وإنساني لا يُمس.
في تاريخ الشعوب، تبقى تضحيات الأبطال الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الله والدفاع عن أوطانهم من أعظم صور البطولة والوفاء. وقد شهد الوطن العربي موجات من الغزو والاحتلال، كان أبرزها الاحتلال البريطاني لمصر والعراق وفلسطين، والفرنسي للجزائر وسوريا ولبنان، والإيطالي لليبيا، والغزو الصهيوني المستمر للأراضي الفلسطينية. وفي مواجهة هذه القوى الغازية، وقف رجال ونساء من أبناء الأمة وقفة عزّ، وقدموا أرواحهم فداءً لعقيدتهم وأرضهم وكرامتهم.
هؤلاء الشهداء لم يكونوا طلاب دنيا أو سلطة، بل خرجوا يجاهدون في سبيل الله، مدافعين عن أوطانهم، رافضين الذل والاستسلام. لقد جسّدوا معنى "الجهاد في سبيل الله" بأسمى صوره، وأثبتوا أن الأمة لا تموت ما دامت تنجب أبطالا كهؤلاء.
شهدت الدولة العثمانية في أواخر عهدها اضطرابات سياسية واجتماعية واقتصادية، ترافقت مع صعود تيارات قومية متباينة داخل أقاليمها المتعددة القوميات. وبينما كانت الدولة العثمانية تحاول الحفاظ على كيانها من التفكك، برزت جمعية الاتحاد والترقي في مطلع القرن العشرين كمحاولة لتجديد الدولة من الداخل. إلا أن هذه الجمعية اتخذت مسارًا قوميًا تركيًا واضحًا، بدأ بفرض سياسة التتريك على الشعوب غير التركية في الإمبراطورية، وعلى رأسها العرب. وهو ما أدى إلى ردود فعل واسعة في الأوساط العربية، تمثلت أبرزها في تأسيس الجمعيات السياسية والفكرية، التي كانت نواةً للحركات القومية العربية فيما بعد، وانتهت بالدعوة إلى الاستقلال والتحرر من الحكم العثماني.
الاحتلال العثماني ليس خلافة في زمن "الحنين" إلى الماضي، حين يروّج بعضهم لفكرة أن الحكم العثماني كان "خلافة إسلامية"، وأن العرب عاشوا في ظله في ظل عدالة ورحمة وازدهار. لكن هذا الخطاب يتغاضى — عمداً أو جهلاً — عن الحقيقة الموثقة، العرب كانوا مستعمَرين تمارس عليهم سياسة التتريك، ممنوعين من التعليم بلغة الضاد، مهمّشين سياسيًا، منهوبين اقتصاديًا، مكبوتين ثقافيًا.
المقاومون لذلك الاحتلال — من الجزائر إلى الشام إلى الحجاز والعراق — لم يكونوا خارجين عن الدين، بل كانوا طلائع نهضة عربية، استهدفت أول ما استهدفت استرداد القرار، والهوية، والكرامة.
في سورية، كما في كثير من الدول العربية، عاش الناس تحت نير استعمار عثماني دام أكثر من أربعة قرون. وليس من الإنصاف، ولا من العلمية، وصف هذا الاحتلال بـ "الخلافة الإسلامية"، لما في هذا الوصف من تغيير لحقيقة سياسية واضحة، ما كان قائمًا هو نظام توسّعي إمبراطوري، غزا البلاد، وفرض هيمنته، ونهب خيرات الشعوب، وأقصى العرب عن القرار، واستعبدهم تحت راية دينية لخدمة مشروع عثماني قومي الطابع، لا علاقة له بالرسالة الإسلامية الأصيلة.
حين خرج العرب في بداية القرن العشرين في ثوراتهم التحررية، لم يكونوا خارجين على الإسلام، بل على سياسة التتريك التي عطلت كل محاولة للنهوض والتطور. كان التحرر هو أول خطوة في مشروع النهضة العربية الحديثة، التي قامت على أكتاف مفكرين وأدباء وقادة وطنيين حلموا باستعادة السيادة الثقافية والسياسية.
إن تكريم الشهداء الذين ناضلوا لتحرير أوطانهم ليس مجرد عرفان بالجميل، بل هو واجب شرعي وأخلاقي وتربوي. هؤلاء الأبطال هم حماة العقيدة والوطن، وأي أمة تنسى شهداءها تفقد بوصلتها الأخلاقية والتاريخية. وعلى الأمة أن تحييِ ذكراهم، وأن تجعل من يوم تكريمهم منارة تُنير درب الأجيال القادمة، نحو التحرر والعزة والسيادة.
عيد الشهداء هو ذاكرة الدم التي لا تُمحى، وهو في أغلب البلدان العربية، ليس يومًا عاديًا، إنه يوم يجمع فيه الشعب ذاكرته، ويقف إجلالًا لأولئك الذين قدّموا أرواحهم من أجل الحرية، ضد كل أشكال الاستعمار والاحتلال. وعندما يُلغى هذا اليوم أو يُختزل أو يُحوّل إلى مناسبة شكلية، يكون الشعب أمام فعل سياسي خطير، تحريف للتاريخ ومحاولة لمحو الذاكرة التاريخية
إن إلغاء عيد الشهداء هو إلغاء لتلك اللحظة النضالية الكبرى التي أعادت للإنسان العربي شعوره بالكرامة والسيادة.
في غمرة العبث بالتاريخ، وفي جزاء الإحسان بالنكران، طال التهميش أيضًا عيد المعلم الذي لا يقل أهمية عن عيد الشهداء.
هذا اليوم ليس مجرد تكريم رمزي، بل هو وقفة ضمير جماعي أمام الدور التأسيسي للمعلم في بناء الأجيال، وصياغة الهوية، وإعداد الإنسان القادر على المقاومة والفهم والنهوض. والمعلم العربي، عبر التاريخ، لم يكن موظفًا يتقاضى أجرًا فقط، بل كان حاملًا لمشروع وطني وثقافي وأخلاقي كبير.
فكيف يُلغى يوم كهذا، ويُستبدل بالصمت، أو التجاهل، أو بفتات من المظاهر الشكلية؟ أليس من الدهشة أن يكون من ألغوا يوم المعلم هم أنفسهم من تعلّموا على أيدي أولئك المعلمين؟ كيف يُنسى من حملوا مشاعل النور في العتمة، وغرسوا القيم في أزمنة التيه، وعلّموا النشء أن يكونوا أحرارًا، لا عبيدًا؟
قال الشاعر أحمد شوقي:
قم للمعلم وفِّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أليست هذه الأبيات تلخّص ما يجب أن تكون عليه العلاقة بالمعلم؟ إن إلغاء عيد المعلم ليس فقط جحودًا، بل هو إشارة خطيرة إلى انهيار القيم التربوية في المجتمعات العربية.
إن الذاكرة الوطنية ليست عبئًا بل قوة، والأمم التي تتقدم لا تمحو ذاكرتها، بل تبني مستقبلها انطلاقًا من قراءتها الواعية لتاريخها. لذلك فإن محاولات إلغاء رموز وطنية كالشهيد والمعلم، هي محاولات لا تهدف إلى المصالحة مع الماضي، بل إلى تطويعه لخدمة مشاريع سياسية آنية، على حساب الحقيقة التاريخية والكرامة الوطنية.
الشهيد، والمعلم، والمثقف، والمجاهد، والعربي الذي قاوم الاحتلال بكل أشكاله... هؤلاء هم رموز مشروع النهضة العربية. وبدونهم، سنجد أنفسنا عراة من كل معنى، في وجه عواصف التبعية والتشويه.
إن أي تحريف للتاريخ هو جريمة بحق الوعي، وأي إلغاء لرمز وطني هو محو متعمّد للذاكرة. ومن الخطأ أن تباع دماء الشهداء، أو التنكر لمكانة المعلمين. ومن الظلم جعل النسيان عقيدة، والسماح بطمس معالم الطريق.