تاريخ الاسلام بقلم مسيحي
2025.07.22
علي بدر
في الواقع، كانت كل معارفي الأولى عن التاريخ الإسلامي قد جاءت من خلال روايات جرجي زيدان التي اكتشفتها مصادفة في مكتبة والدي.
ويمكن القول دون تردد إن معارف العائلة، سلفا عن سلف، في هذا الحقل، لم تأت من مصادر اسلامية انما من كاتب مسيحي. هذا الاعتراف يحمل طرافة محببة الى قلبي ودلالة رمزية عميقة: أن تكون أولى المعارف عن التاريخ الإسلامي لدى عائلة ما وربما لعدة أجيال قد تشكلت على يد جرجي زيدان، الكاتب المسيحي الذي لم يخف ميله إلى إعادة تأويل التاريخ من زاوية عقلانية–ليبرالية، ومثل نموذجا للقراءة الحداثية المتصالحة مع السرد الغربي للتاريخ الإسلامي.
ما يثير الانتباه في هذه المفارقة ليس فقط أن زيدان لم يكن مسلما، بل أن رواياته، على الرغم من طابعها التبسيطي والدرامي، أصبحت المرجع الشعبي الأكثر رسوخا في مخيلة أجيال من القراء العرب، مسلمين وغير مسلمين. فكأن التاريخ الإسلامي، كما وصلنا، لم يرو من داخل ذاته، بل على يد عقل محلي، شرقي الهوى، مسيحي الخلفية، تنويري النوايا.
وفي هذا السياق، فإن انتقال هذه الروايات عبر الأب، ثم من جيل إلى جيل، يذكرنا كيف أن الذاكرة الثقافية العربية الحديثة لم تتكون عبر الحلقات الفقهية ولا الكتاتيب ولا كتب السِير القديمة، بل تشكلت في لحظة مفصلية من الانفصال عن التراث التقليدي، حيث أعيدت كتابة الهوية من خلال السرد، لا العقيدة، ومن خلال الخيال الروائي، لا التأريخ الموضوعي.