كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ناديا خوست تكتب عن نزار قباني

ناديا خوست

نزار قباني
لو كان حياً في هذه اللحظة، أما كنا نحاسبه مرة على قصائد الغزل بالنساء، ومرة على لومه العرب لأنهم لا ينقذون فلسطين؟ كأننا نحب الايقونات التي خرجت من مشاركتنا التأثير في الحياة، ولم تعد تملك الانحياز إلى هنا أو هناك!
لكن نزار قباني الآن أكثر حياة مما كان في شبابه الجميل. شاعر الخمسينيات المدلل السعيد. الذي يغزل شعره بالياسمين الذي تنظمه الفتيات بالإبرة والخيط، وفيروز المساء. يغني دمشق، بلغة سهلة الحفظ، قريبة من لغة الناس، بإيقاع مطرب وبسيط. تنتظر قصائده بنات المدارس المرهقات بدروس تقتلع الشعراء القدماء من الزمان والمكان. كان من دعاته يومذاك الشابة الجميلة نزيهة حمصي ذات العينين الخضراوين الحلوتين، التي تزوجت أكرم الحوراني، ورشيقة عُمَري ذات الضفيرة الطويلة الشقراء.
ودمشق يومذاك مدينة صغيرة، ينفر من سياج حدائقها الياسمين، ويبقي عبقه في ذاكرة زوارها عقوداً من السنوات. مدينة نظيفة، سكانها في البيت العربي الذي يظهرونه بالعناية والترميم. يكنسون الحارة ويشطفونها ولو مرّ صاحب القُربة ورش قبلهم الطريق. مدينة تتداخل فيها بساتين على حوافها أشجار الجوز. فيها مقاه مكشوفة، يرتادها الوزراء كالناس. في غوطتها مواسم زهر المشمش والفول الأخضر والجانرك، مواسم للنزهات. يقصد أهلها ليلةّ البدر "آخر الخط" في المهاجرين ليطلوا على القمر.
في هذه المدينة استمتع نزار قباني برطوبة أمسيات الصيف. مشى في طريق الصالحية حيث تتنزه الفتيات. عبر شارع بغداد بين البساتين إلى القصاع. ألا توحي لنا قصيدته "يابيتها في آخر الدنيا" بشاب يعبر شارع بغداد مستمعاً إلى نقر عربات الخيل وصوت الخطوات في ليالي القمر؟
نفهم شعر نزار قباني إذا استعدنا تلك المدينة المسترخية قرب الماء، مطوقة بالياسمين، حالمة بالنهضة، محتفية بالمتعلمين، مقدمة أجمل بيوتها العربية للمدارس. يجري فيها بردى ممتلئاً، فروعه السبعة عامرة، والماء يُسمع في البحرات. ولا تزال أرض الدار في بيت نزار قباني حتى اليوم تستظل بشجرة كباد ونارنج، في وسطها بركة ماء.
فاح من شعر نزار قباني عطر مدينة تحب ماء الزهر، والعواطف التي تتجول في الحارات وتطل من الشبابيك والأخصاص. الحب المسرع المتخفي، أمنيات الفتيات الشفافة، ولهفة الشباب. فهم ذلك المثقفون فأحبوا الشاعر وحفظوا "سوار الياسمين". فتنت المرأة نزار قباني. لكنه لم يتغزل بها فقط، بل احترمها وتقمص النساء. وتميز باعتداد من يعرف أصالته.
كانت دمشق يومذاك ذات مشروع قومي، تتصدر مقاومة الأحلاف، وتزهو ببرلمان منتخب، والشارع فيها برلمان آخر. فيها جرائد متنوعة من اليمين إلى اليسار. وكان الزمن زمن توهج الطبقة الوسطى. فعبّر شعره عن مناخ تلك السنوات المفتوح، عن الفرح بمدينة، ولبى الحاجة إلى لغة سهلة قريبة من الروح.
لكنه يوم عاد من اوروبا المسرعة من الصباح إلى المساء، وصادف أهل المدينة في آخر الخط يحتفون بليلة البدر، كتب قصيدته "خبز وحشيش وقمر"، من خشيته على بلده الغافي على شاطئ النهر والقمر والبستان. ومن خوفه من البراءة التي صورت أن الحق يفرض نفسه في الواقع. ولم يكن ذلك التفاؤل براءة فقط، فقد يسّرته الظروف العالمية، وسلسلة من استقلال بلاد العالم الثالث. وهل كان نزار قباني بعيداً عن سحر القمر، ملك دمشق في تلك الأيام، أو عن الذوق الذي يطفئ الضوء ليسطع البدر وينشر رنينه الفضي؟
كان يجب أن نثق بصواب الشاعر، ونخمّن ما لم يتلامح بعد من مساره. فاعتداد نزار وصوابه الذي جعله يتحدى وجدان الخمسينيات بتلك القصيدة، هو الذي جعله في التسعينيات يعلن أنه إرهابي، يوم اتهم الفلسطينيون بالإرهاب. لكنه لم يلتقط فقط المحور السياسي المركزي، بل تابعه إلى تنفيذه في الثقافة. فنبه إلى مصير اللغة العربية في الشعر الحديث الذي يتناول مفرداته من الاغتراب. ولم يتصد نزار هنا لتفصيل عابر. بل لمجرى مستنبت ومحميّ. وكشف هذا التنبيه مستوى رفيعاً في وعي نزار قباني وفكره، والتزاماً وطنياً دفعه إلى الموقف. فرمى رصيده الأدبي وشعبيته العربية في كفة الميزان، مقابل حاملي رايات التغريب. ككاتب وطني كبير يلتقط خطر أن يسلب العرب حتى اللغة والشعر، واجه ذلك الخطر بعرض كتفيه.

لم يتوقف نزار عن كتابة الغزل، وأجمله عن بلقيس. لكنه ارتفع إلى القمة في الشعر السياسي الوطني مفكراً في المصير العربي. وردد همس الضمير في أنحاء الأرض العربية. موظفاً حصانته في قول ما لا يجسر المواطن العربي العادي أن يجهر به.

راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟