تاريخ.. وكلام
2025.05.30
علم عبد اللطيف
كان سقوط نظام الاتحاد السوفييتي منذ خمسة وثلاثين عاما إيذاناً بسقوط عالم قديم، تم ترتيبه على عجل، بعد الحربين العالميتين في القرن الماضي، في يالطا وبوتسدام وسان ريمو.. عالم جديد تخلق بسرعة بعد تهاوي امبراطوريات ونشوء ايديولوجيات ودول ومنظمات دولية واقليمية.
لم تستقر السياسات والمنظمات الأممية، فتحولت عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة، وأنشأت منظماتها ودوائرها المتشعبة فيما يتعلق بحقوق الانسان والاغاثة والبيئة والثقافة وغيرها.
كان من الملاحظ استمرار القوى التي كانت قبل الحربين تقود وتصنع سياسة العالم. بتصدرها كصانع سياسة العالم، وإن تراجع بعضُها إلى الصف الثاني في قيادة العالم من حيث الفاعلية والقوة الاقتصادية والهيمنة. بريطانيا وفرنسا. وبرزت قوتان جديدتان أنشأتا قطبي سياسة العالم. الأطلسي ووارسو.. لكن حراك التاريخ لم يتوقف، وسقطت أنظمة شمولية هي امتداد لشمولية عالم قديم، من مووروثات القرون الوسطى وما قبلها. عالم القنانة والاستعباد.
كانت دول أوروبا الشرقية التي دارت في فلك الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، أول من تلقى مؤشرات تداعي النظام القديم، فسارعت للانتظام في محاور (الاتحاد الاوروبي)، وعملت على تذويب سياساتها في المنظومة الرأسمالية العالمية، ودخول السوق الاقتصادي العالمي، وبدا ان الاستقرار سيد الموقف في بلدان اعيد تشكيلها من جديد، يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، ودول البلطيق وجنوب روسيا وغربها.
حراك التاريخ الذي يكتب نفسه بدون أن ندري.. أو ندري، تابع نشاطه، فخرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبي لاسباب تعرفها أكثر من غيرها.
في بقية مناطق العالم، كان هناك نوع من الصراعات السياسية والايديولوجية في اميركا اللاتينية، فانتهت الشيوعية في كوبا بغياب مؤسسها كاسترو، وبقيت البرازيل وكولومبيا وتشيلي وبنما وفنزويلا، تتأرجح بين اليمين واليسار، لكنها لم تفقد بوصلة النمو الاقتصادي والمجتمعي والوطني. وإذا كانت لم تستقر السياسات في بعضها حتى الآن، كما في فنزويلا، فإن مصير تطورها يبدو محتوما وفق محددات تاريخية صارمة ومنتصرة، وإن كان هناك بعض الانظمة التي تحاول تهجين ذاتها بالتحديث او الدمقراطة مع الإبقاء على اهم ادوات العالم القديم، وهي الديكتاتورية والشمولية، كما في روسيا، وإيران، وربما قليلا في تركيا، حيث يلاحظ نزوع يتمثل بنوستالوجيا امبراطورية غائية وطوباوية في روسيا وايران وتركيا.. تركيا التي تستند الآن الى ارث ديمقراطي عمره قرن من الزمان، ودستور ينص على الديمقراطية صراحة وتجاوُز العثمنة، سمحت بنشوء احزاب وقوى سياسية قوية من شأنها قيادة السياسة التركية بشكل فعّال، لكن بعض ثقافة عالم قديم في تركيا وروسيا وايران، بقيت في نموذج حكم لم يسلم بمصير محتوم، هو نهاية كتبها تاريخ لا يعرف المهادنة، فلم يهادن عرقية المانيا، ولا شوفينية ايطاليا، ولا قومية عربية لم يقدّر لها ان تكتمل جسدا ناضجا قبل سقوط ممثليها في مصر وسوريا والعراق.
في المنطقة العربية بدا التاريخ أقل حركة ونشاطاً بعد التحولات المتسارعة، ولم تتلق النظم السياسية كما يبدو إشارات التحول، بقيت ثقافة عالم قديم تفعل فعلها وفق ادوات قديمة، في عقول ساسة منفصلين عن مجتمعاتهم وبقية العالم والتاريخ. وكان السياسيون، وغير السياسيبن، يعرفون ان هذه النماذج من السياسات تتموضع خارج تاريخ ينظر اليها باشفاق.. فسقطت نظم شمولية في العراق والجزائر وتونس واليمن والسودان وليبيا، وكان آخرها في سوريا.
وإذا كانت الطبقات السياسية وصناع السياسات في اوروبا، قد جددت شخوصها وادواتها، فإن السياسة في المنطقة العربية ما تزال تبحث عن قيادات جديدة وتعتمد على ذات الشخوص والادوات في قيادة مراحل يتحرك فيها التاريخ بدراماتيكية لم يأتها سابقا. واذا كانت لم تجد قياداتها المستجدة حتى الان، فلغياب السياسة ذاتها عن مسرح النشاط السياسي والمجتمعي طويلاً، ولأن ثقافة متبقية من عالم قديم، وعالم آخر أعرق بالقدم، ديني وسلطوي واستبدادي، ما تزال تجاهد للابقاء على إرثها.
بتحديد أكثر، في سوريا بدا الحراك التاريخي في أنصع تجلياته، فسقط نظام لم يكن يعرف.. ولا يهمه ان يعرف موقعه من التاريخ، وحل محله نظام جديد، يبدو ديني الشكل وسلطوي الثقافة واستبدادي السياسة، لكنه ما يزال يتخلق ويتحول بسرعة تقتضيها ضرورات ملحة، وطنية في حدها الأعلى، واجتماعية وثقافية ومعيشية في حدودها الأخرى. وقد لا تكفي أشهر قليلة لاكتمال التخلق، لكن قادته، وكل الشعب السوري، بمثقفيه ومواطنيه العاديين، يدركون الآن أن سيرورة هم محكومون بها، داخلية وخارجية... بنيوية وتوليدية، من اقتصادية وثقافية ووطنية ومجتمعية، من شأنها أن تقود سياستهم وفق مسار حدده تاريخ صارم الخطوط والارتسام.. لتبدأ أولى خطوات السياسة على محوري سينات وعينات بناء سوريا جديدة.. وان اي تلكؤ او تباطؤ في فهم التحولات، سيكلف وقتا اضافيا قد لا تملك البلد فائضا منه الآن، ولن تكون سوريا إلا بمستوى تاريخها الحضاري والثقافي، ووفق منطق الفهم الجمعي لابنائها.
يكفي النظر إلى تجربة قيادة سعودية، ابتدأت عهدها بخطأ كاد يهدد سلطتها، لكنها سرعان ما فهمت وتراجعت، فتطورت وطورت، وتقود الآن سياسية عقلانية منضبطة، وتحديثية واعية، وتجني بلادها ثمار وهدايا فهم التحولات.