وهذه العوْرة
2025.05.25
عبد الكريم الناعم
• الذي استدعى هذا العنوان ما قرأتُه على صفحات التواصل الاجتماعي،
الحادثة، كما ذُكر جرتْ في دمشق، وبحكم الواقع يمكن أن تجدث في مدن اُخرى، وهي أنّ امرأة مجلّلة بالسواد، مُنقّبة، لا يظهر منها إلاّ عيناها، صعدتْ إلى حافلة لنقل الركّاب، وجلستْ، وحين أرادت إيصال أجرة الرّكوب للسائق، مدّت سبّاتها، وهي تلبس قفازين أسودين، و(نكزتْ) سيدة تجلس أمامها، فالتفتت إليها فناولتْها الأجرة، وأشارت لها بالسبّابة أن توصلها للسائق، انتبه الموجودون والموجودات في الحافلة، فتعمّدت بعض النّسوة التكلّم بصوت مرتفع احتجاجا على الخرَس المُكمَّم.
• ما كتبتُه آنفا ذكّرني بحادثة جرتْ في حمص، ذكرها لي مَن كان شاهداً، وذلك في ثمانينات القرن الماضي، وقد هبّتْ موجة شبيهة، فكثُر النّقاب واللباس الأسود، إحدى المجلببات بالأسود صعدتْ إلى السرفيس الذي يوصلها إلى حيث هي ذاهبة، وحين اقتربت من الموقع الذي تريد الوصول إليه أخرجتْ آلة تسجيل صغيرة، وضغطتْ على زرّها فخرج صوت واضح يقول: "رجاء نزلّني"، فوقف السائق ونزلتْ.
• لا أريد أنْ أحتجّ على ما تلبسه المرأة، فهي حرّة في اختيار لباسها، بيد أنّ اللافت أنّ لباساً ما يتحوّل إلى شعار (مذهبي)، ولا أقول إنّه (إسلامي)، لأنّ مَن خاضوا في هذا الأمر من المسلمين، من أهل الاختصاص، اختلفوا فيه، وأشبعوه مناقشة في بدايات القرن العشرين، ولا أريد العودة إليه.
للمرأة أن تلبس ما تشاء شريطة ألّا تفرض لباسها على الأخريات، وأن لا تجد مَن أهل النّفوذ الفاعل مَن يساندها.
• الذي أريد التوقّف عنده هل صوت المرأة عورة كما يقول المتشدّدون؟!!
ألمْ تقف تلك المرأة في مسجد المدينة، أيام خلافة عمر (ر) حين أراد أن يحدّد مهر النساء، تسهيلا للزواج، وقالت ما معناه "أنّى لك هذا يا أمير المؤمنين"، واحتجّت عليه بالآية من القرآنية الكريمة: "وَإنْ أردتَمْ استبدالَ زوجٍ مكانَ زوْجً وَآتيتُمْ إحداهُنَّ قِنطاراً فلا تأخذوا شيئاً منهُ، أتأخذونَهُ بُهتاناً وإثْماً مُبينا"، فتراجع وقال أصابتْ امرأةٌ وأخطأ عمر، وهو الخليفة الحاكم، فانظرْ إلى جرأة التراجع، فهل وجد في صوتها عورة؟!
ما يلفت أنّها كانت في المسجد أي كانت تصلّي مع نسوة المدينة المنوَّرة، أي كانت تحضر في مساحة مخصّصة للنساء، وهذا يدلّ على المكانة الرفيعة التي أحلّها فيها الاسلام المحمّديّ.
ألمْ تكن السيدة عائشة، أمّ المؤمنين (ر) تنقل أحاديث الرسول صلوات الله عليه وآله وصحبه، فلو كان الصوت عورة لكانت السيدة عائشة أُولى من امتنع.
الذي أجمعت عليه المذاهب الاسلاميّة سنّة وشيعة أنّ الوجه والكفّين ليسا بعورة، ومَن تشدّد وأفتى بغير ذلك.. جاء متأخّرا، فقُدّمت أقواله، عند البعض، على ما أجمع عليه المسلمون.
• لقد انطلقت بعض الآراء من مقولة أنّ (المرأة) فِتْنة، والفِتنة هنا بمعناها السلبي لا بالمعنى الجمالي، وتلك مقولة تدعو للتوقّف.
مَن قال إنّ المرأة وحدها هي الفتنة، فالرجل أيضا يمكن أن يكون فِتنة للمرأة، ونحن نعلم حاجة كل من الرجل والمرأة لبعضهما البعض، فلماذا هذا التركيز المُبْتسَر.
أعود مرة أخرى لأيام الخليفة الثاني (ر)، فكما هو معروف أنّه كان يعسّ ليلا في المدينة ليطّلع بنفسه على ما قد لا يُنقَل إليه، وذات ليلة سمع امرأة تُنشد بصوت واضح بيت الشعر التالي:
هلْ مِن سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربَها
أمْ مِن سبيلٍ ل "نَصْرٍ إبنِ سيّار"ِ
في الصباح سأل الخليفة (ر) أن يؤتى بنصر بن سيّار الذي ذكرتْه تلك المرأة، فجيء به فوجده من أجما الرجال، وله لمّة- أي شعر طويل ينسدل على كتفيه- يزيد جماله جمالا، فأمر الخليفة أن تُجزّ لمّته ليقلّل من فتنة جماله، فازداد جمالا، فأصدر أمره بنفيه إلى "البصرة"، وقال ما معناه لا يجاورني رجل تتغزّل به الحرائر في أخدارهنّ.
إذن الفتنة موجودة عند الطرفين، ومَن يرد التحصين والإحصان فلْيعمّقْ مبادئ مكارم الخلاق التي تجعل الانسان يمتنع بإرادته استجابة لما يُرضي الله، والمجتمع، ولا يُسئ إلى أحد.
يا ناس في البلدان المتقدّمة غزو الفضاء، وابتكروا ما ابتكروا، ويسعون إلى المزيد، ونحن ما زال شاغلنا هل صوت المرأة عورة أم لا؟!
بالمناسبة أذكر ما روي عن الشيخ محمد عبده رحمه الله، أنّ أحد المصلّين سأله ما معناه شيخنا حين نريد الوضوء هل نُمسك الأبريق باليد اليمين أم بالشمال، وكانت طائرة تعبر سماء القاهرة، فقال له أيضا ما معناه الناس حلّقت في الأجواء ونحن نسأل بأيّ يد نمسك الإبريق؟!...