كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سورية المستقبل والحياة السياسية

مروان حبش

تعتبر سوريا واحدة من الدول التي شهدت تحولات سياسية عميقة على مدار العقود الماضية، حيث ارتبطت هذه التحولات بنظام الأسد الأب والابن، الذي أسس لسلطة استبدادية قاتلة ولفساد مستشرٍ.
إن الشعب السوري يستحق نظاماً سياسياً يعكس تطلعاته ويحقق له حياة كريمة قائمة على المواطنة والعدالة، ولا يمكن أن تحقق انتفاضة الشعب السوري أهدافها دون إعادة بناء الحياة السياسية على أسس ديمقراطية حقيقية، وهذا يتطلب وجود إعلام حر، وأحزاب سياسية مستقلة، ومجتمع مدني قوي، وانتخابات نزيهة. ولا فائدة من إسقاط نظام مستبد فاسد، إذا تم استبداله بنظام آخر يعيد إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة. وإن التحدي اليوم هو بناء دولة المواطنة بنظامها الديمقراطي، التي يكون فيها جميع السوريين متساوين أمام القانون، ويشاركون في صنع مستقبلهم بحرية.
شهدت سوريا منذ نصف قرن ونيف استبدادًا سياسيًا، حيث أحكم نظام الأسد الأب مؤسس فساد الدولة والقتل ثم الابن مؤسس دولة الفساد والإجرام قبضته على السلطة، معتمداً على أحزاب شكّلت ما يُعرف بـ "الجبهة الوطنية التقدمية"، التي لم تكن أكثر من ديكور سياسي يخدم بقاء النظام الديكتاتوري. ومع اندلاع انتفاضة الشعب السوري، كان الهدف واضحًا: إسقاط هذا النظام المستبد الفاسد القاتل وإقامة دولة ديمقراطية قائمة على المواطنة، وليس استبدال نظام استبدادي بنظام يكون الوجه الاخر، حتى لو كان غير فاسد أو قاتل.
إن قرار السلطة الحالية بحل أحزاب الجبهة التي أسسها نظام الأسد وتفكيك هيمنتها، هو أمر ضروري لإعادة تشكيل المشهد السياسي في البلاد، ويمثل بداية جديدة لسوريا نحو مستقبل أفضل. ويجب أن تكون هذه الخطوة مصحوبة بإصلاحات شاملة تهدف إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. إذ إن هذه الأحزاب لم تكن سوى أدوات في يد النظام، تخدم استمراره ولا تعبر عن إرادة شعبية حقيقية. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى مسألة مهمة، وهي أن بعض الأحزاب التي تم حلّها قد انشقّت أصلًا عن أحزاب معارضة للأسد عانت كثيراً من قمع النظام، دخل أعضاؤها المعتقلات لسنوات طويلة بسبب مواقفهم. لذلك، لا ينبغي أن يكون الحل مجرد إلغاء شامل لكل الأحزاب التي تحمل أسماء معينة، بل يجب النظر إلى تاريخ كل حزب ومدى ارتباطه بالنظام السابق، لضمان عدم وقوع ظلم بحق الأحزاب المعارضة الحقيقية،,ك(حزب البعث الديمقراطي العربي الاشتراكي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب الاتحاد الاشتراكي، والحزب الشيوعي المكتب السياسي، وحركة الاشتراكيين العرب). أما الحزب الذي حكم سوريا منذ انقلاب تشرين الثاني 1970، فقد كان في جوهره حزب الأسد الأب والابن، وليس حزب البعث كما يدّعي، وإن حافظ على الاسم ذاته.
في ظل المرحلة الانتقالية الحالية التي تعيشها سوريا، أصبح من الضروري العمل على بناء أسس جديدة للحياة السياسية، تضمن تحقيق الأهداف التي قامت الانتفاضة من أجلها. وذلك، بإصدار قوانين
تضمن حرية الإعلام والتعددية الحزبية، إذ لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية دون حرية إعلام تعكس تعددية الآراء، وتسمح للصحافة المستقلة بالرقابة على أداء السلطة. ومن هنا، يجب إصدار
قانون عصري جديد للإعلام يتيح إنشاء وسائل إعلام حرة، بعيدة عن سيطرة السلطة الحاكمة، بحيث تكون وسيلة للتواصل بين الشعب وصانعي القرار، وتكشف أي تجاوزات أو فساد قد يظهر في المرحلة الانتقالية وما بعدها.
كذلك، ينبغي إصدار قانون عصري جديد للأحزاب، يسمح بتأسيس أحزاب سياسية حقيقية، دون إقصاء أي تيار سياسي، ما دام ملتزمًا بمبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. فلا يمكن بناء نظام تعددي ديمقراطي دون وجود أحزاب وطنية تمثل مختلف الأفكار والاتجاهات، وتتنافس بشكل شفاف للوصول إلى السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة.
إن انتفاضة الشعب السوري لم تكن مجرد انتفاضة ضد الاستبداد والفساد فقط، بل كانت انتفاضة من أجل بناء دولة المواطنة التي تساوي بين جميع مواطنيها، دون تمييز على أساس الدين أو الطائفة أو العرق أو الانتماء السياسي. وهذا يتطلب وجود منظمات مجتمع مدني قوية، تكون بمثابة العين الساهرة على أداء الدولة، وتعمل على تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار.
إن منظمات المجتمع المدني تُعدُّ عنصرًا أساسيًا في أي نظام ديمقراطي، حيث تلعب دورًا في تثقيف المواطنين سياسيًا، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعزيز الرقابة على الحكومة. ولذلك، يجب دعم هذه المنظمات، وضمان استقلاليتها، وإعطائها الدور الذي تستحقه في المرحلة الانتقالية وما بعدها.
ومن أجل الانتقال إلى الديمقراطية، يجب التحضير لانتخابات حقيقية، تفرز مجلس نواب يمثل إرادة الشعب بشكل فعلي. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بعد وضع الأسس القانونية السليمة، التي تضمن حرية تكوين الأحزاب، واستقلالية القضاء، وشفافية العملية الانتخابية.
إن المرحلة الانتقالية الحالية هي الفرصة لتصحيح المسار، والخروج من عقود الاستبداد والفساد والإجرام إلى مستقبل ديمقراطي يليق بتضحيات السوريين. لذلك، فإن مسؤولية السلطة الحالية تكمن في وضع الأسس اللازمة لبناء دولة مواطنة ديمقراطية ولضمان عدم إعادة إنتاج الديكتاتورية من جديد. وعدم تكرار أخطاء الماضي التي جعلت السلطة حكرًا على فئة معينة، على حساب باقي الشعب. 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية