وجع الكتابة ووجع صاحبها.. عن عبد القادر ربيعة (1937ـ 2010)م
2025.02.01
جهاد نعيسة
في أولى سبعينيات العمر، بخطواتّ متثاقلة يجر يسراها بغير يسر ويُلحِقها بيمينها.. ممتلئاً قليلاً، أو هو أميل إلى البدانة، بوجه يوحي بغير قليل من العافية وكثيرٍ من السخط والرغبة في المشاكسة، بنبرة لاذقية حادة هي الأكثر تعبيراً عن الانتماء إلى القاع المديني وأحيائه الأكثر إمعاناً في ذلك الانتماء (هل كانت أزقة شارع القوتلي كذلك حيث عهدت عبد القادر ربيعة أحد قاطنيها...؟)
يفاجئك مجيؤه في المقهى الذي تكون فيه.. يلقي سلامه ويستأذن في مجالسة مستعجلة، أو يستوقف خطواتِكَ المسرعة حاملاً مع أوجاعه الكتيمة أوالخبيئة دافعَه الدائم إلى الحوار المشاغب (تُراه بقي كذلك في سنواته الأخيرة...؟ لم ألتقه
- ويا للأسف ـ في تلك السنوات وأنا اللائم والمَلوم).
لم يحمل شهادةً جامعية.. حتى الثانوية تقدَّم إليها وحصل عليها في الخامسة والثلاثين من العمر. على الرغم من ذلك، ومن قلة نتاجه فقد كان قاصاً مهما ًوعازفاً وباحثاً موسيقياً دؤوباً. كذلك كان شأنُه محاوراً، على الرغم من نزقه في كثير من حواراته.
في أحد لقاءاتنا الأخيرة صرّح لي على نحوٍ حاسم، أنه لن يكتب سوى قصةٍ واحدة في العام...
هل قالها يائساً من شرطه المتجبّر..؟ هل قالها احتجاجاً على الفيض الأدبي الكمّي المتناثر ذاتَ اليمين وذات الشمال..؟
على أية حال فقد رحل عن مجموعة قصصية واحدة وحيدة صادرة عن اتحاد الكتاب العرب عام 1993م، هي: "التشويه من الداخل"، ومخطوطةٍ مسرحية تعود إلى أواسطِ السبعينيات بعنوان "نزيف الأساطير"، أهداني إياها بوماً ولم تُنشَر. وقليلٍ من المتفرقات؛ قصصاً ومقالاتٍ وشهاداتٍ أدبيةً وموسيقية في مجلات عربية قديمة وجديدة: "الطليعة" والمعرفة، والموقف الأدبي السورية.. "الطليعة" و "نادي القصة" المصريتين.. "الأديب" اللبنانية.. "ثقافات" البحرينية...إلخ... ومنها شهادتُه منذ عقود في ملف مجلة "الطليعة" المصرية حول القصة العربية القصيرة وكتّابِها. حينها تحدث عبد القادر عن أجيال ثلاثة من كتّاب القصة القصيرة العرب، مبارِكاً جيلَ شبابها ومشروعَه المتجاوز مبنىً ومعنىً، تاركاً للقارئ أن يستنتج أنه الشاهدُ والمشهود له من هذا الجيل.. كان للرجل قدْر واضح من الاعتداد بالنفس.
مع ذلك فقد كانت خميرةُ التواضع تقبع متربصةً في مكان خفيٍّ من نفسه. كان يعرف كيف يقدِّر الرجالَ الذين يحترمون أنفسهم، والمبدعين الذين يحترمون إبداعهم وقارئهم. وما كان يجد مَغَبَّةً في الاعتراف إبداعياً وإنسانياً بفضل هذا أو ذاك عليه. وفي عداد هؤلاء كان الموسيقيُّ المعروف الراحل الأستاذ "محمود عجّان". في حضرته كان عبد القادر يستحيل تلميذاً جَمَّ التواضع والتهذيب، يُحسِنُ الصمت والإصغاء أيما إحسان.
لم يعرف السفرَ البعيد، ولا الملتقياتِ الأدبيةَ الكبيرة سوى مرةٍ واحدة في حياته، أتيح له فيها، ربما بضربة حظ ومصادفة حضورُ أحدها في "الاتحاد السوفييتي".
عاش الرجل على الكفاف براتب تقاعدي ضئيل يحفظ شيئاً من ماء الوجه؛ منحه له اتحاد الكتاب العرب في سنواته الأخيرة، ومهنة خاصة ونادرة لا تغني ولا تسمن من جوع هي إصلاح الأعواد الموسيقية (كم عودٌ يحتاج إلى الإصلاح في مدينة اللاذقية، هذا إذا كان عائدُ إصلاحها يُطعم خبزاً أصلاً...؟) وبضعةِ دروس منزلية في الموسيقا أو اللغة أظنها توقفت في أخريات سنينه و.. وربما لا شيءَ آخر سوى المزيدِ من هموم العيش والمرض؛ يتقاسمُها مع زوجةٍ بسيطة صابرة كتب عنها في مقدمة مجموعته وهي بعنوان: "الفنان أم الإنسان" (ص5)، التي
يستعرض فيها الأصدقاءَ القلة الذين ساندوه ورفعوا عنه "ترابَ الوأد" - على حدّ تعبيره- في محنة العيش "الزقّوم":
"وأعجبُ من هؤلاء جميعاً زوجتي "نصرت"، التي قاسمتني نعمةَ الكرب والبلاء دون أن تحاولَ التعرفَ على الفنان،ولو لمرةٍ واحدة" (ص6).
على الرغم من التهميشِ الذي ألحقه عبد القادر، على هذا النحو أو ذاك، بنفسه وإبداعه، وكأنه المتواطئُ الأول مع تهميشِ الحياة له، فما من قارئٍ أو ناقدٍ منصف يستطيع أن يتجاهلَ القيمةَ الجمالية والإنسانيةَ الكبيرة لذلك الإبداع.
ثمة دائماً وجعٌ إنساني عميق ومزمن تهمس به قصصه وتهجس، وجع له نكهةٌ خاصة تجعل منها نسيجاً وبناءً متفرداً في الإبداع القَصصي، لا يشبه فيه أحداً ولا يتكئ فيه على أحد، خلا مناخاً "كافكاوياً" عاماً يتلامح أو يومئ هنا وهناك في بعض أعماله الترميزية، وباستطاعة الدرسِ المدقق في هذه الخاصية أن يقفَ على مصدر هذا المناخ العام، بعيداً عن التأثير أو التأثر الذي تحيله "القراءةُ المقارَنةُ" على احتكاكٍ من نوعٍ ما، بين الكاتبين؛ فمن المشكوك فيه لديَّ أن يكون عبد القادر قد قرأ "كافكا" تفصيلاً، على الرغم من أنه كان قارئاً جيداً بغير شك؛ وخاصة في مرحلة شبابه، فقراءاتُه في الحقل السردي تركزت على القصص القصيرة ومبدعيها المشهوربن وخاصة: "موباسان" و"تشيخوف" و"آدجار ألان بو"؛ إذ إن تقاربَ المناخِ العام للسرد في تلك الأعمال يعود بتقديري إلى نمط المعاناة التي حكمت حياةَ كل منهما؛ أكثرَ منه إلى تأثر عبد القادر بنتاج "كافكا"؛ فالبعدُ المجازي الغالب على نتاجه في هيمنة الإحساس المزمن بالضياع والغربة الفرديين، وسْط المجموعِ الذي يُقيم عشراتِ الحواجزِ والمحظورات والإدانات والمحاكمات السرية والمعلنة، ذلك البعدُ المجازي الكامن في هاجس الانعتاق واستحالة تحققه، هو في تجلياته السردية وليدُ شرطِ عبد القادر المعيشي الخاص جملةً وتفصيلاً.. وما أظن كاتباً آخرَ استطاع أن يجعل من معاناته اليومية ومفرداتِها الشخصيةِ موضوعاً مستوعَباً وقابلاً للتعميم كما فعل عبد القادر في مفردات نتاجه القَصصي؛ فنتاجُه، وعلى نحوٍ لافت هو حياتُه مموضَعةً في "متوالياتٍ" وتنويعاتٍ سردية تخصّه وحدَهُ، وتعود إليه وحدَه...
المدينةُ والحارة هي مدينتُه وحارتُه.. الشوارعُ والأزقة تخصُّه وحدَه.. الدور والبيوت وأوكارُ البؤس والغربة تخصّه وحده.. البشر مُجْهَضُو الأحلام ووقوفُ بعضهم ك"شجرةِ الصَّبّار" - وهو عنوان إحدى قصص مجموعته- يخصُّونه وحده. أما شَرعَةُ الاغتراب التي تومئ بالتقارب ولا تصرّح به، فهي ملمحٌ عام لا يُعلن تأثيراً ولا يؤكده.
في 18/ 11 ، 2010م، وبصمتٍ جليل يليق بذوي النفوس الكبيرة رحل عبد القادر ربيعة القاصُّ الموهوب والموسيقيُّ الدؤوب عن عالمنا.. عن عالمٍ لطالما تجاهل مواهبَه وجهوده الجمالية فأدار له الظهر والجانب...
رحل عبد القادر ربيعة ولم يترك لنا قصصياً سوى مجموعتِه اليتيمة المشارِ إليها (145 صفحة مع الفهرس)، ومتفرقاتِهِ القليلة، لكن تلك المجموعةَ التي اقتصرت على إحدى عشرة قصة، قد ضمت قصصاً لا يمكن أن تُنسى، وفي مقدمتها قصتا:
"العريس الأخضر" ـ(ص81)
و "شجرة الصبَار" (ص 101)، وفي القصتين يتردد شموخٌ إنساني ضارب في أعمق أعماق النفس البشرية وهي تواجه مأساتَها/ مآسيها، نفسِ عبد القادر الفنان والإنسان في آنٍ معاً وهو يهجس بمعنى الموتِ وقوفاً كما الشجرُ في الترنيمة المسرحية: "الأشجار تمو ت واقفة" (١٩٤٩)م، للشاعر والمسرحي الإسباني "أليخاندرو كاسونا" (1903ـ 1965)م،
الموت المجازي النبيل للفتاةٍ شفيقة في" العريس الأخضر"؛ إذ يتخلى الحبيب عنها، فتُعَزِّي النفسَ الكليمة بعريسٍ آخر تنتزعه أملاً قادماً من رحم اليباب.
والموتُ المجازي الآخر في "شجرة الصبّار" للزوجة والأم المنتظرة "بحرية" عودةَ بحارها الزوجِ الغائب دهراُ، الذي يتباهى بإرسال صورته إليها عارياً ومخموراً وسط ثلة من الصبايا الأجنبيات العاريات أيضاً.. "بحرية" التي تٌضَمِّد نزيفَ أعماقها بغمغمةٍ تنتزعها من عيني الوحدة والانكسار والهجر المزمن:
" يا جدتي غداً سأقول له إني ما زلت أحبك يا أحمد.... أنت أسمرُ اللون.. طيب القلب.. وما نسيتنا بعد طول الزمن... لا مفر لك من أن يحبوك أو يطردوك من العمل"(ص١١٠).
وكلتاهما من القاع المديني الذي يطارده البؤسُ والخيبات المادية والمعنوية فيكابر أوجاعَه.. بل يتحداها، بعزيمةِ الإنسان فينا وجَلَدِه وتحدّيه لقسوة شَرطِه ورعونته، تلك العزيمةُ التي تستطيع وحدَها أن تحيل هزائمَنا انتصاراً مَهْما بلغت شرورُ تلك الهزائم وإصاباتُها.
سلاماً عبد القادر ربيعة الذي مات واقفاً كما بطلتاه في رائعتيه القصصيتين: "العريس الأخضر" و"شجرة الصبّار".
سلاماً لكَ حياً وميناً
والسلام السلام لزمنٍ كان الإبداعُ فيه مَخاضاً حقيقياً لا يعرف معاناتَه سوى المبدعين الحقيقيين. وقد كنتَ كذلك دائماً؛ فلك الحب والشوق والسلام، أيها الراحل الجميل المقيم.