العدالة الانتقالية والسلم الأهلي في سوريا
2025.01.16
مروان حبش
العدالة الانتقالية هي أحد الركائز الأساسية لأي عملية تحول سياسي ناجح في المجتمعات التي شهدت صراعات مسلحة أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. في الحالة السورية، ومع سنوات طويلة من الحرب والدمار التي شهدتها البلاد، تصبح العدالة الانتقالية ضرورة حتمية لتحقيق المصالحة الوطنية وإنصاف أهالي الضحايا الذين عانوا من القتل، التعذيب، والاختفاء القسري على يد نظام حافظ الأسد ووريثه بشار الأسد.
لقد أدى القمع الممنهج والانتهاكات الواسعة إلى خلق جراح عميقة في النسيج الاجتماعي السوري، وأصبح من المستحيل الحديث عن مستقبل مستقر وعادل للبلاد دون معالجة هذه الجرائم. العدالة الانتقالية ليست مجرد مطلب أخلاقي أو إنساني، بل هي شرط أساسي لتحقيق الاستقرار والسلم الأهلي. فمن دون معالجة مظالم الماضي، ستظل مشاعر الغضب والظلم مستمرة، مما قد يؤدي إلى تجدد الصراعات.
إنصاف أهالي الضحايا يتطلب آليات واضحة وشفافة، تشمل محاسبة المسؤولين عن الجرائم عبر محاكمات عادلة، توثيق الانتهاكات بشكل منهجي لضمان عدم تكرارها، وتقديم تعويضات مادية ومعنوية للمتضررين. كما ينبغي أن تشمل العدالة الانتقالية توفير آليات لمعرفة مصير المختفين قسرًا، وهو مطلب أساسي لعشرات الآلاف من الأسر السورية التي تعيش في معاناة يومية بسبب فقدان أحبائها.
إلى جانب ذلك، يجب أن تلعب العدالة الانتقالية دورًا تربويًا وثقافيًا من خلال تعزيز الوعي بضرورة احترام حقوق الإنسان، والعمل على إعادة بناء المؤسسات الوطنية بطريقة تضمن عدم تكرار الانتهاكات. هذا يتطلب إصلاحًا شاملاً للمنظومة القضائية والأمنية، وضمان استقلالها ونزاهتها.
لكن، تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا يواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار وجود النظام الذي ارتكب هذه الجرائم في السلطة، وانعدام الإرادة الدولية الجادة لفرض المحاسبة. ومع ذلك، فإن تمسك الشعب السوري وأهالي الضحايا بحقهم في العدالة هو القوة المحركة لاستمرار المطالبة بمحاسبة المجرمين.
إن تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا ليس مجرد خيار، بل هو واجب قانوني وأخلاقي وسياسي. فلا يمكن تحقيق السلام والمصالحة دون إحقاق الحق وإنصاف الضحايا. ولعل أهم رسالة يجب أن يحملها هذا المسار هي أن الجرائم والانتهاكات لن تُنسى أو تمر دون حساب، وأن سوريا المستقبل يجب أن تكون دولة قانون وعدالة، لا مكان فيها للإفلات من العقاب.