أنا وصديقي الراديو
2024.12.28
صبري عيسى
عندما تنطفئ الكهرباء، تتعطل حاسة البصر لصالح حاسة السمع، ويصبح الراديو هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة مايجري، والعودة الى الراديو اليوم هي نوع من الاعتذار وشعور بالذنب، لأننا نسينا أفضال الراديو على أسماعنا أيام زمان قبل عصر التلفزيون.
في منتصف القرن الماضي كانت الموجة المتوسطة على الراديو أشبه بقمر النايل سات في عالم الفضائيات اليوم، حيث كانت عشرات المحطات تتنافس مع بعضها في خطابها الاذاعي، وكانت إذاعات القاهرة هي الأكثر انتشارا وشعبية لدى مستمعي الراديو، وكان صوت البث يصلنا بنقاء واضح ونحن نستمع إليها بدير الزور، وكان من الممتع الاستماع الى برامج إذاعة الشرق الأوسط واذاعات القاهرة وصوت العرب، وفقرات الكوميديا الضاحكة لفرقة ساعة لقلبك وشخصيات كوميدية لاتزال تعيش في ذاكرتنا مثل خواجا بيجو وأبو لمعة والرائع فؤاد المهندس وخيرية أحمد، وسهرات الطرب وأضواء المدينة والنقل المباشر لحفلات كوكب الشرق أم كلثوم والاستماع بمتعة لعمالقة الطرب كعبد الوهاب وفريد الأطرش والعندليب حليم وكارم محمود وعبد المطلب ومطربي ذلك الزمان.
وكانت الإذاعات تقدم في سهراتها بثاً مباشراً لعروض أفلام السينما الحديثة، وكنا نميز شخصيات نجومنا المفضلين من أصواتهم.
اليوم فقد البث الإذاعي القديم وهجه أيام زمان، حيث تراجعت تقنياً قوة البث في الموجة المتوسطة مقابل تنشيط موجة "الأف أم" التي اقتصرت على الإذاعات المحلية التي دعمت البرامج السخيفة وبث الأغاني الهابطة لمطربين فاشلين وأصوات منكرة!
ويبدو أن العالم كله أعلن انحيازه المطلق لصالح التلفزيون منذ نصف قرن، ومع ذلك اعتبر الراديو صديقي الذي لايخذلني في أوقات انقطاع الكهرباء، وأذكر أن اليوم الذي دخل أول راديو الى بيتنا بدير الزور في بداية الخمسينات تحول الى عيد وكان لايعمل دون وصله بشريط نحاسي طويل (آنتين) يوضع على السطح يشبه حبل الغسيل ويتم وصله بالراديو..
الآن بعد التوسع الكبير في عدد القنوات الفضائية الذي رافقه توسع مماثل في عدد المحطات الإذاعية عبر الأقمار الفضائية التي تبث برامجها من خلال الرسيفر الخاص بالقنوات التلفزيونية، أو عبر موجات "الأف أم" للموبايل. أصبحت هناك خيارات أخرى وفرتها تقنيات الاتصال والتواصل واليوتيوب.
الاستماع الى الراديو يعتبر استراحة للعين من مشاهدة التلفزيون لساعات طويلة ويمكن متابعة أحداث العالم دون التقيد بالمكان سواء كان البيت أو مكان العمل، وأصبح من المألوف أن ترى العشرات في الطريق ممن يضعون سماعات الهدفون حول رؤوسهم للاستماع عبر موجات الأثير الى الراديو أو لتسجيلات الأغاني أو للمتابعة المباشرة لأحداث العالم.
انقطاعات الكهرباء الطويلة أعادت للراديو أهميته ومجده الغابر، وفي الوقت نفسه وفر فرصة لكل من هب ودب لتأسيس محطات إذاعية بمستوى هابط يجعلنا نتذكر بمودة الإذاعيين من نجوم الخمسينات، ونترحم على إذاعات أيام زمان والسميعة الذين كانوا يتواصلون من خلال الرسائل مع الإذاعة كل يوم ليطلبوا الاستماع إلى أغاني الزمن الجميل.