الأكثرية المقهورة المنتصرة.. الأقليات القلقة
2024.12.26
شعبان عبود
باديء ذي بدء هذه الملاحظات لا تنطلق من خلفية طائفية إنما تتحدث عن أتباع الأديان والطوائف السورية وما تعيشه في اللحظة الراهنة من مشاعر، أعتقد أن أي انطلاقة جديدة وأي خطط لليوم التالي لا بد أن تبدأ أولا من فهمنا لبعضنا الآخر.
أولا، وفيما يخص الطائفة الإسلامية السنية، وهي طائفة الأكثرية، فإن هناك مشاعر مختلطة يعيشها الغالبية من أبناء الطائفة، أولها الشعور بزهو الانتصار على نظام استبدادي عمره أكثر من ستين سنة عانوا ما عانوا منه من ويلات وظلم وقهر وتمييز وتدمير. تشعر الغالبية بفخر كبير وتريد في الوقت نفسه الاحتفاظ بهذا الانتصار وعدم تبديده، كذلك لديها استعداد للوقوف بوجه أي أحد، جهات خارجية أو داخلية، في حال قررت تقويض هذا الانتصار. هناك شراسة واستعداد للتشبث بهذا الإنجاز حتى لو تطلب ذلك إراقة الدماء مجددا.
لكن ومن ناحية ثانية، فإن الغالبية من أبناء الطائفة السنية تعيش في حالة من اكتشاف حجم الخسارات الكبيرة وحجم الثمن الباهظ الذي دفعته للوصول إلى هذه اللحظة، في كل بيت تقريبا هناك قصص موت وقتل وتعذيب وقهر وسجن وتدمير وخسارة في الممتلكات، المشهد بكل تكثيف هو: فرحة في مأتم كبير.
أيضا ورغم كل ذلك فأبناء هذه الطائفة يشعرون بمسؤولية كبيرة في إنجاح التجربة حتى النهاية، يريدون أن يقدموا نموذجا مختلفاً عن النظام السابق وممارساته، لذلك كان ملفتا حجم الانضباط وندرة الحوادث والانتهاكات خلال العمليات العسكرية التي انطلقت يوم 27 نوفمبر من إدلب باتجاه حلب وصولا إلى دمشق، في الوقت نفسه هم يتوقون لإنجاح التجربة في الحكم، تم التعبير عن ذلك بشكل واضح من خلال البيانات الأولى التي أطلقتها إدارة العمليات العسكرية المتعلقة بالحريات الشخصية والتطلع لبناء الدولة والتفكير بمنطق الدولة وليس عقلية الانتقام والثأر وتأكيد قائد العمليات أحمد الشرع نفسه على أن الثورة انتهت مجرد سقوط النظام. هم يسعون لطمأنة الجميع، الداخل قبل الخارج. هذا لسان حال غالبية أبناء الطائفة.
الطائفة السنية اليوم لا تنظر إلى نفسها على أنها طائفة، ترى نفسها الدولة بما يتطلب ذلك من مسؤوليات وواجبات اتجاه الجميع، وتحديدا اتجاه بقية المكونات الاثنية والدينية والطائفية السورية. هناك حرص ورغبة عند الطائفة السنية بأن تبدي بقية المكونات استعداداً لمد يد العون والمساعدة في إنجاح التجربة الجديدة.
فيما يخص كيف ترى الغالبية من أبناء الطائفة السنية بقية المكونات وخاصة الطائفة العلوية، فهناك مشاعر مختلطة، فعلى مستوى السلطات الجديدة هناك إصرار على تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية بحق مجرمي النظام السابق ممن ارتكبوا جرائم حرب ومجازر مع اتجاه للعفو عن الجنود العاديين، لكن على المستوى العام، فهناك مشاعر مكبوتة ورغبة بالانتقام ممن أذاقهم الظلم وقتل أحبتهم ووضعهم في السجون وعذبوهم على مدار سنوات طويلة وخاصة في ال13 سنة الأخيرة، لكن هذه المشاعر التي لا تميز كثيرا بين المجرمين والضباط الذين شاركوا في الجرائم وبين أبناء الطائفة العلوية عموما، تجد نفسها مضطرة للانصياع للخطاب الرسمي والمعلن الذي عبر عنه أحمد الشرع، هي لا تتجرأ بالذهاب بعيداً في ذلك. لكن هذه المشاعر قد تجد طريقة للتعبير عن نفسها في حال لم يتم تطبيق واحترام تعهدات تحقيق العدالة الانتقالية.
ثانيا، وفيما يخص بقية الطوائف، فقد لوحظ أن هناك هلعاً عاماً عند غالبية المكونات الدينية والمذهبية والإثنية بمجرد وصول "هيئة تحرير الشام" لرأس السلطة وإسقاط نظام الأسد، يشترك في ذلك العلويون والمسيحيون والدروز والأكراد والإسماعيليون وإن بدرجة أقل حدة. الهلع سببه الأساسي صفة التشدد الديني التي طبعت سمعة الهيئة ومحطات من تاريخها عملياتها العسكرية، وخلفية "أبو محمد الجولاني" نفسه.
لكن الأكثر هلعاً من بين كل هذه المكونات هم أبناء الطائفة العلوية، ربما لأن لديهم مخاوف كبيرة من ربط ممارسات النظام وإجرامه بالطائفة ككل، هم يعرفون أن حافظ الأسد وابنه بشار الأسد عملا طويلا على تجييش كل الطائفة في أتون الصراع وفي إطار القمع المستمر ولاحقاً لإخماد الثورة السورية، هم يعرفون جيداً حجم الظلم والممارسات الإجرامية التي مورست بحق أبناء الطائفة السنية لمجرد أنها طائفة سنية، هم يجدون أنفسهم محشورين ومتهمين تماماً رغم وجود العديد من المعارضين السياسيين العلويين الذين دفعوا ثمنا باهظا وسجنوا وغيبوا مثل عارف دليلة وعبد آلعزيز الخير وغيرهم كثر، ورغم وجود الكثير من أبناء الطائفة الذين لا ناقة لهم ولا جمل بكل تلك الجرائم والانتهاكات.
من ناحية ثالثة، ربما يكون أبناء الطائفة الدرزية الأقل قلقاً اتجاه السلطات الجديدة نظراً لمشاركتهم حتى لو كانت متأخرة بالثورة السورية والانتفاض على نظام الأسد، وثانيا لعدم تورطهم بالجرائم التي ارتكبت ضد الثورة وضد أبناء الطائفة السنية، على العكس هم اتخذوا خطوات مبكرة في الابتعاد عن النظام حينما توقفوا عن إرسال أبنائهم للجيش للمشاركة في الحرب ضد الثورة التي كانت تقاتل نظام الأسد. كل قلق أبناء الطائفة الدرزية يتعلق بالخوف من قيام نظام جديد في سوريا ذو صبغة إسلامية متشددة.
أما فيما يخص المسيحيين فربما هواجسهم لا تتعلق بالمخاوف الأمنية والوجودية، بل تتعلق بحرياتهم الشخصية والدينية في المرحلة المقبلة مع هذه السلطات ذات الخلفية التنظيمية الدينية المتشددة، إضافة لحريات أخرى تتعلق بالسياسة والعمل السياسي، وهم في ذلك يشبهون أو يتشاطرون مع بقية المكونات في هذه الهواجس، نقصد هاجس الحريات العامة.