كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

يحيى السنوار: الرجل الذي ألهم الجيل

طارق أمين- تونس- فينكس

يقول نيتشه "بعض الناس يولدون بعد موتهم " 

مع استشهاد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس والعقل المدبر لأعظم عمل عسكري يتلقاه جيش العدو المحتل في تاريخه الزعيم أبو إبراهيم سارع مرتزقة المغول الجدد إلى نشر هذا الخبر وتصديره على أنه نجاح عسكري كبير سينهي حركة حماس وسيكسر معنوياتها، وبالتالي سيعجل بحل ملف الأسرى وفق الشروط التي يريدها نتانياهو ومن معه من أحفاد تيار غابوتنسكي الدموي.

لكن جيش العدو الغاشم قد نسي شيئا مهما جدا، وهو طريقة إخراج هذا الخبر ووقعه على كل فصائل المقومة وعلى الوعي العربي و الإسلامي عامة، فطوال سنة من العدوان المتواصل على قطاع غزة برا وبحرا وجوا وبدعم من كل قوى الظلم والاستكبار الغربية المدججة بكل أنواع الأسلحة والتقنيات الاستخبارية المتطورة، عملت إسرائيل على زرع سردية في الذهن الإسرائيلي يدعمها في ذلك هالة إعلامية ممأسسة على غرار مؤسسة الرقيب العسكري الإسرائيلي - وهي وحدة استخبارية عسكرية مكلفة بنشر كل المعلومات المضللة لجمهور المستوطنين وحجب كل الحقائق الواقعة في الميدان- ومفاد هذه السردية أن السنوار كان يختبئ في الأنفاق كل مدة الحرب متخذا من الأسرى درعا بشريا يقيه من أية محاولة اغتيال . 

كل هذه السردية التي عملت على ترسيخها الدعاية الصهيونية بدعم من مجاري قنوات المتصهينين العرب ولاعقي حذاء نتنياهو، قد تهاوت كأوراق الخريف بمجرد لحظة الإعلان عن استشهاد أبو إبراهيم، ذلك الرجل الذي دخل درب النضال هو في ريعان شبابه وقضى ما يزيد عن عشرين سنة في معتقلات العدو وخلف القضبان التي صذأت وأبت عزيمة الرجل أن تصدأ، حيث عمل الرجل وهو داخل أسوار المعتقل على تعلم اللغة العبرية وفهم طبيعة الشخصية الصهيونية وطريقة تفكيرها لينجح بذلك في تضليل العدو وخداعه ووهمه بأنه يسعى لإرساء سلام دائم مع إسرائيل ويطوي بذلك معها صفحة طويلة من الكفاح المسلح. 

يخرج أبو إبراهيم من الأسر في سنة 2011 فيما عرف بصفقة وفاء الأحرار أو صفقة جلعاد شليط ليبدأ إعادة هيكلة الجهاز العسكري لحركة حماس ويتولى مهمة التنسيق بين مكتبها السياسي وقياداتها الميدانية لتصل الحركة الى ما وصلت اليه اليوم من قوة استخبارية وعسكرية وتنظيمية استطاعت كسر شوكة أسطورة الجيش الأقوى في المنطقة الذي لا يقهر. 

يستشهد أبو إبر اهيم مقبلا غير مدبر ممتشقا سلاحه بزيه العسكري في الخط الأمامي الأول للمواجهة مع العدو وهو شامخ مرفوع الرأس كأي مقاوم في الجبهة، ليواصل تقديم دروس الصبر والثبات والشجاعة حتى وهو في لحظات حياته الأخيرة، تلك الدروس التي سوف تتوارثها أجيال وراء أجيال مثلما توارثت دروس أحمد ياسين والرنتيسي وغيرهم ممن مهدوا طريق التحرير الأكبر .

إن درب النضال ودرب التحرير درب طويل باهظ الثمن يتطلب طول النفس والتضحيات الجسام والعقيدة الراسخة في الوجدان والضمير، ولنا في الدرس الذي قدمه الشعب الفيتنامي للعالم أثناء خوض حرب التحرير ضد الاستعمار الأمريكي سنة 1967 خير مثال يمكن أن نستأنس به. حيث استطاع شعب مفقر ومنهك بإمكانيات تقليدية وبسيطة من فخاخ ومصائد وسلاسل أنفاق عُرفت باسم "الكو -شي، وبأقدام عارية حافية دحر هذه الآلة الاستعمارية الغارقة في التوحش وإخراجها مذلولة مدحورة. فوحدها القضايا المكتوبة بالدم لا يمكن محوها ولا طمرها في سجلات النسيان مهما أوغل العدو في إدارة التوحش والزيف والبهتان الملون بالحبر في مجالس الأمم وعلى مشانق منظمات حقوق الإنسان أين يتم خلسة مزج السم في الدسم.

وأما عن موت القائد او الزعيم فهو وإن كان ذا وقع نفسي على وجدان الأمة وعلى فصائل المقاومة إلا أنه لن يحدث شرخا وفراغا في المناصب القيادية ومراكز صنع القرار على الميدان بالقدر الذي يتصوره العدو وهذا راجع بالأساس إلى لا مركزية التنظيم التي تنتهجها فصائل المقاومة فيما يعرف ب المقاومة بدون قيادة: leadesrless resistance  

 وهي استراتيجية تقاتل فيها مجموعات صغيرة، خلايا وأفراد قوة راسخة من خلال أعمال العنف والفوضى المستقلة، وهنا لا تشتغل الخلايا وفق أي تنسيق مركزي، وليس لديهم

اتصالات صريحة مع بعضهم البعض. ونتيجة لذلك، فإن القضايا التي تستخدم المقاومة بلا قيادة هي نفسها مقاومة للمخبرين والخونة وشتى أنواع الاختراقات.

تاريخيا تم تعميم المقاومة بلا قيادة من قبل الناشط المناهض للحكومة لويس بيم كأسلوب للقوميين البيض لمواصلة نضالهم ضد حكومة الولايات المتحدة في مواجهة الصعاب الساحقة. منذ ذلك الحين، أصبحت المقاومة بلا قيادة الاستراتيجية الفعلية للهامش العنيف لحركات حقوق والناشطين البيئيين.[1https://web.archive.org/web/20190122095018/https://firstmonday.org/ojs/index.php/fm/article/view/1040 

في ظل عدم تكافؤ القوى بين جيش نظامي مدجج بشتى أنواع التقنيات الاستخبارية وفصيل مقاوم بما أتيح من الإمكانات المتوفرة يعتبر هذا النمط عاملا مؤثرا يساعد المقاومة على الاستمرار في القتال رغم استشهاد القادة ورغم كل محاولات الاختراق الاستعلامي، اذ أن البدائل الميدانية تكون دائمة متاحة وممكنة، وفي هذا السياق تكون المعرفة الدقيقة بطبيعة الجغرافيا ورقة أخرى رابحة بيد هذا التشكيلات غير النظامية، فابن رفح  يقاتل برفح وابن جباليا بجباليا وابن خان يونس بخان يونس، وكما يقول المثل فإن الأرض لا تخون أصحابها. 

ووسط هذا الكم الكبير من الخذلان غير المسبوق من أنظمة طبعت وأخرى في طريقها أو كانت، وأمام آلة الظلم الوحشية المدعومة بكل أشكال والنفاق الغربي الذي تعرى على مرأى العالم، تتوحد الساحات وتشحذ العزائم فتفتح الملاجئ في كل الأراضي المحتلة وتقف عجلة الاقتصاد الصهيوني ويهرع المستوطنون إلى مطار بن غريون تحت وابل صواريخ المقاومة ومفاجأتها الجديدة التي أعدت في سنين الجمر وفي سنين الحصار الخانق الذي أطبقه الغرب وبعض الأنظمة العربية على كل أقطار المقاومة لوأد كل نفس مقاوم لآلة المحتل الغاصب.

يزف شهيد الأمة على طريق القدس واعدا بالكثير في شغاف أمة حالمة بالتحرير في مشهد سيبقى خالدا في ذاكرة كل حر من أحرار الأمة والعالم ويبقى نتنياهو غارقا في مستنقع غزة يتخبط خبطة عشواء بحثا عن نصر موهوم وفي انتظار غودو الذي لن يأتي. 

الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية