كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الفكر والمفكر والثورة

مروان حبش- فينكس

في العصور الوسطى تَمَثَّل تسلط الكنيسة على الفكر الأوروبي، وتخدير أتباعها بسحر القداس وانبعاث الشرك نتيجة لعبادة القديسين وتعصب الخرافة بإفساد القانون الأخلاقي والحط منه، وجمَّد هذا التسلط تقدم المعرفة وانتشارها، وإبقاء سلطة الملوك من عند الله، والأنظمة الاستبدادية، وركود الارتقاء بالأخلاق، وسيطرة الجهل. وقال "كوندورسيه 1743- 1794" الذي لا يعترف للعصور الوسطى بأي قدر: (سيأتي الوقت الذي تشرق فيه الشمس فقط على أحرار الرجال الذين لا يعرفون لهم سيداً غير عقولهم)، وقد أثنى على "فولتير" لإطلاقه الفكر من عقاله، وعلى "روسو" لإلهامه الناس بأن يقيموا نظاماً اجتماعياً عادلاً.
كانت لفظة المفكر، في القرن الثامن عشر في أوروبا، تطلق على كل إنسان يحاول أن يصل إلى آراء مسببة مقنعة عقلانية في أي موضوع مهما يكن، إذا نظر إليه في أبعاده الواسعة، وفي تحديد أكثر، على أولئك الذين يسعون إلى نظرة عقلانية إلى أصل الكون وطبيعته ومغزاه ودلالته ومصيره، وإلى الحياة والإنسان. ويجدر ألا يتبادر إلى الذهن أن نتائج التفكير هي ضد الدين أو أنها تتعارض معه، بل تفسح في النظرة الواسعة للحياة البشرية مجالاً له.
إن الجدل الذي هاج مشاعر الفئات المفكرة، في مرحلة ما، لم يكن مجرد صراع بين الدين ونتائج العقل، بل كان بالدرجة الأولى بين المفكرين وكهنة الأديان ذوو الأخلاق المنحطة، الذين يعملون على غرس مزيج حكيم من الخوف، والرجاء، والتسليم في نفوس ضُرِب عليها الفقر، والمشقة، والحزن، نتيجة لعدم المساواة. كما وُجِد في عديد من المجتمعات، ذلك الغيظ المكتوم في نفوسهم، لقرون طويلة من جراء ما لطخ به أولئك الكهنة سجل الديانات، من الوقوف ضد التقدم والمعرفة، ومع الاضطهادات والمذابح.
لقد ولَّى المفكرون ظهورهم للميتافيزيقيا باعتبارها ضالة ميؤوساً منها، وكان الإيمان بالعقل الذي آذن بانبلاج فجره "فرنسيس بيكون 1561- 1626"، أصبح أساس الفكر المتحرر وأداته، أي أن الفكر تحرر بهذا من الأساطير والتعاليم الكهنوتية وبرز العقل متألقاً في عظمة وحيٍ جديد، وطالب بالسيادة والسيطرة في كل مجال وميدان، وعرض بمفهومه المشرق، اصلاح الدين والتعليم والأخلاق والأدب والاقتصاد والسياسة. ورغم النقد الذي تم توجيهه إلى محدودية العقل، ظل الأمل معقوداً على انتشاره وإمكان تحريره من الأنانية الضيقة والتعاليم المغرضة ليكون في مقدور الإنسان أن يحرر نفسه من معتقدات العصور الوسطى وأساطيرها وخرافاتها، وأن يقف على قدميه حراً طليقاً، حراً في أن يشك وفي أن يحقق ويدقق، حراً في أن يفكر ويجمع ألوان المعرفة وينشرها.
ولا سبيل إلى الشك في أن المفكرين، والفلاسفة منهم خاصة، يؤثرون تأثيراً عميقاً في أيديولوجية الثورات، ويوفرون الإعداد الأيديولوجي لها، مع أسبابها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعباراتها الفلسفية التي يطلقونها لإزالة العقبات القائمة في طريق التغيير، من غير الدعوة إلى العنف، أو القتل وسفك الدماء، كي تمضي الثورات لبلوغ غاياتها، وهي مزودة بالقيم، وفي ظل آراء أخَّاذة، وأحداث مرئية، تنتزع بها الجماهير من مدعي "الحق الإلهي المقدس" ومن الديكتاتوريين المستبدين، التسلط على الدولة ونهب خيرات الوطن.
لعب الفكر والمفكرون دورًا حاسمًا في تحرر المجتمعات وفي التمهيد للثورات وتشكيل الأيديولوجيات التي تقودها. هذا الدور يتمثل في عدة جوانب رئيسية.
المفكرون غالبًا ما يكونون أول من يلاحظ ويشير إلى التناقضات في النظام الاجتماعي أو السياسي القائم. يطرحون أفكارًا نقدية حول الفساد، الظلم، والاستبداد، ويعملون على تسليط الضوء على أوجه القصور التي تعاني منها الدولة أو المجتمع. هذا النقد يعمل على توعية الناس بواقعهم ويحفزهم على التفكير في إمكانية التغيير.
يقوم المفكرون بتقديم نظريات وأفكار بديلة للواقع القائم. يطرحون رؤى وأيديولوجيات جديدة ترتكز على الحرية، العدالة، والمساواة. هذه الأفكار تلهم الحركات الاجتماعية والسياسية وتوفر لهم الإطار الفكري الذي ينظم أفكارهم ويساعدهم في تحديد أهدافهم.
المفكرون ليسوا فقط منشئي الأفكار، بل هم أيضًا من ينقلون تلك الأفكار إلى الجمع ويعملون على نشر الوعي السياسي والاجتماعي من خلال الكتب، المقالات، والخطابات. يعمدون إلى توجيه النقاشات العامة نحو مواضيع محددة، مما يؤدي إلى بناء وعي جمعي حول أهمية التغيير
كثير من الثورات قامت على أسس أيديولوجية واضحة، وهذه الأيديولوجيات عادة ما تكون مستوحاة أو مستندة إلى أفكار الفلاسفة والمفكرين. كالثورة الفرنسية التي تأثرت بأفكار فلاسفة التنوير مثل روسو وفولتير الذين نادوا بالحرية والمساواة. والثورة البلشفية التي تأثرت بفكر ماركس وإنجلز حول الصراع الطبقي وأهمية الثورة البروليتارية. وكانت الماركسية الأساس الفكري للعديد من الثورات في القرن العشرين. وقدم فكر غاندي في الهند أيديولوجيا تحررية غير عنيفة قادت حركة الاستقلال ضد الاستعمار البريطاني.
بعض المفكرين يعتمدون على التحليل التاريخي لفهم الحركات الاجتماعية والسياسية، ويستخلصون منها استنتاجات حول المستقبل من خلال تحليل تطور المجتمعات تمكنهم التنبؤ بضرورة حدوث تغيير ثوري أو تغيير بنية النظام القائم.
في بعض الأحيان، يتجاوز دور المفكرين الكتابة والنقد ليصبحوا قادة في الحركات الثورية، مثل كارل ماركس ولينين. هؤلاء المفكرون لم يكتفوا بتقديم الأفكار بل شاركوا في تنفيذها.
بعد قيام الثورات، يبقى دور المفكرين مهمًا في تقديم رؤى حول كيفية بناء النظام الجديد، وكيفية تحقيق الأهداف التي ثار الناس من أجلها. ويعملون على وضع الأسس الأيديولوجية للحكم الجديد وتوجيه السياسات العامة
يواصل المفكرون بعد الثورة، دورهم في تطوير الفكر السياسي والاجتماعي للثورة، ويحرصون على الاحتفاظ بالإرث الفكري لها، لضمان أن الأجيال القادمة تستفيد من تلك التجارب وتواصل السعي نحو الحرية والعدالة.
وملاك القول، إن الفكر والمفكرين ليسوا مجرد مراقبين أو محللين، بل هم جزء لا يتجزأ من عملية التغيير الاجتماعي والسياسي، حيث يساهمون في توجيه وتشكيل مسار الثورات من خلال رؤاهم وتحليلهم.. 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية