كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ذكرى الخامس من تموز من العام ١٩٤٥

صفوان زين

ليل الخميس الخامس من تموز من العام ١٩٤٥ كان الرصاص لا يزال يلعلع في شوارع المدينة وأزقتها بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة بعد ظهر ومساء ذلك اليوم، والتي ذهب ضحيتها العشرات من المواطنين الأبرياء. أرغمَنا الوالد أن نتكوّم في المطبخ بوصفه الأكثر أماناً من بين سائر غرف المنزل. أمضينا الليلَ بكامله في المطبخ على صوت أزيز الرصاص في الخارج . كنتُ مصرّاً على أن تنام معي صورة الرئيس شكري القوتلي. ضممتُ الصورةَ الى صدري طوال الليل وكأنني كنتُ ارى بغريزة طفلٍ في الثامنة سلامةَ الوطن في سلامة هذه الصورة. لم يكن قد مضى علينا في ملجئنا الصغير سوى دقائق معدودة عندما سمعنا طرقاً عنيفاً على باب المنزل. اضطرب الوالد وأسرع الى فتح الباب كي يُفاجأ بحكمت خواج مدير التجهيز (جول جمّال لاحقاً) وبجواره ضابط بريطاني ومصفحة عسكرية في الخارج عارضين على الوالد (بوصفه مديراً للتربية) أن ينتقل مع عائلته الى أيّ مكانٍ اكثر أماناً من منزلنا في حيّ العوينة المحشور بين نار الإنكليز وجنود مستعمراتهم من هنود وأوستراليين من جهة ونار الفرنسيين ومجنديهم من أفارقة ومغاربة من جهة أخرى. شكرهم الوالد مفضّلاً أن نُمضي تلك الليلة في منزلنا ولا نبارحه إلّا في حال خرج الوضع بالكامل عن السيطرة.
*****
أفقنا في الصباح الباكر من يوم الجمعة السادس من تموز وقد خيم الهدوء التام بعد ان فرض البريطانيون منع التجول في جميع أرجاء المدينة وفرضوا في الوقت ذاته على القوات الفرنسية الانكفاء الى ثكناتها.
أحداث الخامس من تموز ١٩٤٥ في اللاذقية ومثيلاتها في دمشق والمحافظات الأخرى في العام نفسه كانت ارهاصات بالجلاء القادم في ١٧نيسان من العام ١٩٤٦.
******
أفاق سكان اللاذقية صباح الجمعة السادس من تموز ١٩٤٥ وقد خيّم الهدوء التام والشامل على المدينة، بعد ان فرضت القوات البريطانية نظام منع التجول الصارم وسيّرت دوريات في الشوارع لضمان تحقيق ذلك، وفرضت في الوقت ذاته على القوات الفرنسية اخلاء الشوارع بالكامل والانسحاب الى ثكناتها والتزام هذه الثكنات حتى اشعار آخر. لم يدُر في خلد 'فرانك' الجندي البريطاني المكلف بتنفيذ تعليمات منع التجول في الجزء المتاخم لمنزلنا من حي العوينة ان فتًى وفتاة في مقتبل العمر (هما أخي نعمان وأختي عفاف الحاصلان على البكالوريا ذلك العام) سوف يدفعهما فضولهما لأن يبرحا منزلهما ويخرجا الى الشارع في ذلك الوقت العصيب ويتقدما منه بكل جرأة ويدعوانه بانكليزية سليمة الى فنجان من الشاي في منزلهما المجاور. وافق فرانك بعد تردد. رافقهما الى المنزل ، اسند بندقيته 'الأنفيلد' الطويلة الى باب الدار الخارجي ، قاداه الى غرفة الضيوف، اعتذر عن الجلوس على أيّ من مقاعدها الوثيرة واختار كرسي خيزران في زاوية من الغرفة.
كنتُ أرقب بفضول طفلٍ في الثامنة ما يدور من حديث بين أخوتي والجندي البريطاني الشاب دون ان أفقه شيئاً بطبيعة الحال، إنما لاحظتُ بأن دمعةً طفرت من عينه عندما استل من جيب سترته محفظةً جلدية أخرج منها صورةً تجمعه مع والدَيه اللذَين أبعدتهما ظروف الحرب العالمية الثانية عنه آلاف الأميال.
لم يكن بإمكان فرانك أن يستوعب كيف ولماذا تحوّل من جندي ميدان يُفترض ان يخوض الحرب العالمية في ميادينها الرئيسية الى جندي حفظ نظام في بلدٍ ناءٍ اسمه 'سوريا' لم يكن قد سمع به قبلاً. طبعاً لم يستوعب ولن يستوعب لأن دور فرانك في تلك اللحظات الحاسمة من لعبة الصراع على سوريا كان فوق قدرته على الاستيعاب.
كان فرانك يساهم دون أن يدري في اخماد النار التي ساهم هو نفسه في اشعالها قبل يومين دون أن يدري أيضاً. كان أصدقاؤنا البريطانيون كما كان يحلو لهم ان ندعوهم يعملون بدهاء على مزيد من التوريط للفرنسيين في المستنقع السوري استكمالا للعبتهم المفضلة باشعال النار ثم اطفائها لاحقاً كي يظهروا أمام السوريين بمظهر المنقذين وقد نجحوا في لعبتهم تلك أيما نجاح. غير ان التوازنات العالمية الجديدة قد عملت بعد ذلك وبتسارع شديد لصالح جلاء جميع الجيوش الاجنبية عن ارض الوطن الذي استكمل بتاريخ السابع عشر من نيسان ١٩٤٦.
قبل ان يعود فرانك لوالديه في بريطانيا عرج على منزلنا مودعاً حاملاً لي معه علبة من (الدروبس) الانكليزي الشهير، عاد فرانك الى والديه في بريطانيا دون ان يدري انه زرع وراءه اضافة الى الدروبس الشهير قنبلة موقوتة لم تلبث ان انفجرت بعد ثلاث سنوات وبالتحديد في ٣٠ آذار ١٩٤٩ مطيحةً بالعهد الوطني الأول.
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية