عن غزة.. رسالة إلى معلمي ورفيقي غسان كنفاني
2024.06.09
عدنان بدر الحلو- فينكس:
منذ صباح السابع من تشرين الأول الماضي، عندما طالعتنا شاشات التلفزيون العالمية بصور عشرات، بل مئات المستوطنين مهرولين بغير هدى يهيمون على وجوههم في سهوب النقب فرارا من المقاتلين الفلسطينيين الذين اخترقوا أسوار غزة الحصينة من تحت الأرض وفوق الأرض وفوق فوق الأرض (الأسوار التي ظن العدو أنها منيعة).. مذ ذاك وأنا أفكر بالكتابة لك.
تذكرت آخر لقاء لنا.. كان ذلك في صباح الثامن من تموز 1972.لم يكن قد مر سوى القليل من الوقت على الانفجار الذي أودى بحياتك.. كان الرفاق الذين سبقوني إلى موقع الحادث ما يزالون يجمعون ما تيسر من أشلائك.. لأفاجأ بالرفيق زكي هلو صاعدا من الحاكورة تحت بيتك وهو يحتضن القطعة الكبيرة المتبقية من جسدك: الرأس ونصف الصدر!!
هرول باتجاهي كالمفجوع ليرمي حمولته بين يدي ويردد باكيا:
عدنان.. هذا ما تبقى من غسان!!
وفيما كنت أحضنك بين ذراعي، كان عدد من الرفاق يساعدونني أو يحملونني صعودا على الدرج الموصل إلى بيتك.
منذ ذلك الوقت حتى الآن مر اثنان وخمسون عاما.. كتبت عنك كثيرا.. لكنه لم يخطر لي مرة أن أحدثك وجها لوجه إلا في ذلك الصباح.. صباح الطوفان.
أستذكر معك أننا عندما كنا نسأل عن النتف التي تناثرت من جسدك، كنا نقول لقد تحولت إلى شظايا انزرعت في هذه الأرض لتعود وتنبت في فلسطين.. وكتبت يومها أن جميع الذين يموتون يكون لوقع غيابهم دوي لا يلبث أن يتضاءل مع الأيام إلا الشهيد غسان كنفاني سيزداد دوي غيابه بمرور الأيام.. وكنت أتابع هذا الدوي وهو يتعاظم عاما بعد عام وبشكل خاص في فلسطين. حتى بات حضورك فيها أكبر مما كان عليه في حياتك.
كل أطفال فلسطين منذ استشهادك حتى الآن تتلمذوا على ذكرك وذكراك وعطائك.. يدرسون كتبك وسيرتك كمنهاج حياة ونضال وتضحية. فيزدادون تشبثا بأرض البرتقال الحزين.. حتى تمكن هذا الجيل من أبناء وأحفاد جيفارا غزة الذي اعترف شارون نفسه بأنه كان يحرر غزة ليلا ليعود الجيش الإسرائيلي للسيطرة عليها نهارا. وكنت أنت تراهن عليه كقائد يدق على جدران الخزان ويرسم للأجيال القادمة طريق التحرير. كان يترجم مقولتك الشهيرة (نحن لسنا الثورة نحن الجيل الذي يمهد للثورة).
صباح السابع من تشرين سمعت صوتا في أعماقي يحثني على مخاطبتك لأبشرك بالفجر الذي دفعت حياتك على طريق إضاءته.. لكنني كنت أفتقد الجرأة للقناعة بحصول هذه المعجزة (حتى تلاميذ المسيح تشككوا بحصول معجزته، ولم يقتنع توما حتى وضع إصبعه في الجرح).
الآن ونحن في أواخر الشهر الثامن من هذه المعركة المعجزة، ومع إعلان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نفسه عما يبشر بهزيمة إسرائيل التي كان كثيرون من قادتها قد اعترفوا بأن جيشهم يجرجر أذيال الخيبة في مواجهة أسود المقاومة أحفاد غيفارا وزواريب غزة وظلمات أنفاقها.. ازددت ثقة بهذا الانتصار العظيم الذي لن تنحصر نتائجه في مستقبل قطاع غزة وحتى فلسطين كلها، بل ستكون له انعكاسات وامتدادات تغييرية تعم المنطقة كلها وتكون لها آثار كبيرة جدا على الوضع الدولي برمته.
مع وصولي إلى هذه القناعة وجدتني أهرع للكتابة إليك والحديث معك.. وتهنئتك بأن نتف جسدك التي انزرعت في أرض لبنان قد نبتت وأثمرت وأينعت في فلسطين.