مانيو بانديلو وروميو وجولييت
2024.05.22
مروان حبش- فينكس
حلَّت في إيطاليا، بجهد من دانتي، اللغة الإيطالية محل اللاتينية بوصفها لغة الأدب، وبذل الشعراء جهدهم للتقيد بالقواعد التي يضعها المهتمون بانتقاء الألفاظ، ولهذا فرَّ الإلهام إلى ملاجئ أرحب وأكثر حرية. أما القصة القصيرة فقد بقيت واسعة الانتشار محببة للشعب، وكانت تكتب بلغة سهلة، وتنحو المنحى التي كانت لها عند اليونان والرومان الأقدمين. وتصف عادة أحداثاً مسرحية أو مناظر داخلية في الحياة الإيطالية. ولذلك كان يستمع لها جميع الإيطاليين بما فيهن النساء اللواتي لم يكنْ يعروهن خمرة الخجل. فقد كان الحب، وإغواء النساء، والاغتصاب، والمغامرات، والفكاهة، والعاطفة، ووصف المناظر الطبيعية مادة هذه القصص. وتمدها كل طبقة من طبقات المجتمع بالشخصيات وأنماط الحياة. وكانت كل مدينة تحتوي على كاتب ماهر في الصورة التي يختارها لقصصه.
كان (ماتيو بانديلو 1480-1562)، أحسن كتاب القصص في ذلك الوقت، وكان قد نشأ في دير بمدينة ميلانو وانضم إلى طائفة الرهبان الدومينيك، وعاون الفرنسيين معاونة جدية ضد القوات الألمانية- الإسبانية في إيطاليا، وعُيّنِ عام 1540، أسقفاً لمدينة آخن بألمانيا.
تدور حبكة القصة عند باندليو، كما عند غيره، على الحب أو العنف، أو على أخلاق جماعات الرهبان والقسيسين، ففيها فتاة جميلة تثأر لنفسها من عشيقها الخائن فتمزقه إرباً بكماشات، وزوج يرغم زوجته الزانية على أن تخنق عشيقها بيديها، وفيها وصفٌ لدير تُرك للدعارة بفكاهة ممتعة يستحسنها الذوق.
ويروي باندليو بشعور فيَّاض، وحذاقة عظيمة قصة "روميو منتيشيو" و"جيوليتا كابيليتي" وقوة حبهما، إذ إن روميو لم يجد في نفسه من الشجاعة ما يستطيع به أن يسأل من هي الفتاة التي بدأ يمتع عينيه بجمالها الأخاذ، ويتأمل بدقة كل حركة من حركاتها وسكناتها، ويثني ثناءً مدهشاً على كل جزء من أجزاء جسدها، وتجرع سم الحب الحلو الشهي من أجلها.
كان روميو يجلس في ركنٍ مرَّ فيه من أمامه جميع من في الحفل حين اقترب موعد الرقص، وكانت جيوليتا ابنة صاحب المنزل الذي أقام الحفل، وسُرَّت هي أيضاً أيما سرور بمنظر روميو وإن كانت لا تعرفه، ولكنها رأته مع ذلك أجمل الشباب وأكثرهم مرحاً في الخلق كلهم. وقفت لحظة قصيرة تختلس إليه النظرات الرقيقة من طرف عينيها، وأحست في قلبها بسعادة أفاضت عليها من البهجة التي تتلقاها من عينيه وهي تنظر إليه. وكان روميو يجلس وحيداً لا يبدو عليه أي رغبة بالرقص، وكل ما كان يفعله هو مغازلة جيوليتا الفاتنة، وكل ما كانت تفكر فيه هي أن تتطلع إليه. وهكذا أخذ كلاهما ينظر إلى الآخر نظرات تلتقي خلالها أعينهما وتمتزج أشعة نظراتهما بعضها ببعض. وأدركا معاً في لهفة أن الحب قد سرى في قلبيهما، وكلما التقت أعينهما يمتلئ الهواء بزفير حبهما، وخيل إليهما أن كل ما يرغبان فيه وقتئذ هو أن يكشف كلاهما عمَّا دبَّ في قلبه من لهيب.
وتنتهي القصة بموت روميو قبل أن تستيقظ جولييت من سباتها، وهي تستيقظ قبل أن يشعر بأثر السم الذي شربه حين استولى عليه اليأس بعد أن ظنَّ أنها ميتة، وتبلغ منه السعادة من استيقاظها مبلغاً ينسى معه السم ويستمتع العاشقان بلحظات من الحب العارم، وحين يفعل السم فعله القوي ويموت روميو، تقتل جولييت نفسها بطعنة من سيفه.
إن نهاية قصة روميو وجولييت عند باندليو أكثر دقة منها عند شكسبير الذي أخذها من "التاريخ المفجع لروميو وجولييت" من تأليف "آرثر بروك 1562"، الذي كان قد نقلها عن بانديلو. كما عرفها شكسبير، أيضاً، عن قصة "نقد الفرحة" تأليف "وليم بينتر 1566" الذي اقتبسها أيضاً عن باندليو.