نيقولا مكيافيللي (ملهم الطغاة) 1469 -1527
2024.03.26
مروان حبش- فينكس
لا تتألف معالم التاريخ من الأحداث الكبرى وحدها، بل تتألف أبضاً من بعض المؤلفات السياسية الكبرى، التي أسهمت في التمهيد لهذه الأحداث، في أكثر من مناسبة، ولفترات طويلة أو قصيرة.
نحيل الجسم، شاحب الوجه، غائر الخدين، حاد العينين أسودهما، تنم معارفه عن رجل تفكير أكثر مما هو رجل عمل، له من الذكاء الحاد أكثر مما له من الإرادة الطيبة والوداعة، يقبض على الأفكار بتعصب وعناد، اعتاد الكذب حتى جعل الناس يظنونه يكذب حين يقول الحق، كان هذا الرجل في خبيئة نفسه وطنباً شديد الحماسة، يرى أن مصلحة الشعب هي القانون الأعلى، ويخضع كل القوانين الأخلاقية لغاية واحدة هي توحيد إيطاليا - التي خضعت عام 1507 لحكم فرنسا، وإسبانيا، وألمانيا- وإنقاذها مما هي تعانيه.
تقلد مكيافيلي الشاب - هذا الاسم العَلَم المعروف عالمياً، المنذور للشهرة الأوسع ذيوعاً والأكثر التباساً منصباً إدارياً في حكومة فلورنسة، زار خلالها البلاط الملكي في فرنسا، وألمانيا، وعدة مقاطعات إيطالية في بعثات دبلوماسية، وبعدها بقليل سجن في فلورنسا عام 1512، نُفي بعدها لسان كاساينو.
كان مكيافيللي، الذي شغله الشاغل هو السياسة وفن الحصول على النفوذ، دبلوماسياً، ومؤرخاً، وكاتباً، وفيلسوفاً، وأكبر كاتب ساخر في زمانه، وكان يتصف بكثير من الصفات غير المحبوبة، منها أنه لما أقبلت الدنيا على "قيصر بورجيا" اتخذه مثلاً أعلى، وبطل فلسفته، ولما انصرفت عنه سار وراء الجماهير وندد به ووصفه بأنه مجرم و "عاصٍ للمسيح. ولما طُرد "آل مديتشي" لعنهم بأفصح عبارة، فلما عادوا إلى الحكم لعق أحذيتهم ملتمساً منهم منصباً. ولما طردهم الحزب الجمهوري من المدينة مرة أخرى 16 أيار 1527، بعد اجتياح الجحافل الألمانية مروراً بفلورنسة متجهة نحو روما، ابتهج لهذا العمل وطالب بمنصبه القديم الذي كان يشغله وهو أمين سر مجلس العشرة الحربي، ولكنه لم يُجب إلى طلبه، بعد أن فقد عطف الجمهوريين عليه، ومات بعدها بعشرة أيام. ودُفن في كنيسة الصليب المقدس، حيث أُقيم له نصب جميل نُقشت عليه هذه العبارة: (ليس في مقدور أي مديح أن يُوفي هذا الاسم العظيم حقه). وهو قولٌ يشهد بأن إيطاليا التي توحدت آخر الأمر قد تجاوزت عن سيئاته وذكرت له أحلامه.
لقد وجه مكيافيللي قلمه البليغ إلى أنواع من التأليف متباينة، وكان منها "رسالة في فن الحرب" قال فيها: (إن الأمة التي تفقد الفضائل العسكرية أمة هالكة لا محالة، والجنود المرتزقة على إيطاليا، هم السبب في خرابها، ومن واجب كل دولة أن يكون لها حرس وطني من أهلها مؤلف من رجال يحاربون دفاعاً عن وطنهم وأراضيهم). كما كتب مكيافيللي في الأدب روايات ومسرحيات، ومنها قصة "بيلفاجور أرتشديافولو" التي تعد من أحب الروايات للشعب الإيطالي التي تفيض بالفكاهة والهجاء يصبهما على الزواج. ومسرحية "ماندراجولا" يكشف فيها أخلاق عصر النهضة، ويدور محورها على استعداد الراهب لأن يحلل الزنا نظير مبلغ قليل من المال. وكتب في التاريخ، "تاريخ فلورنسة"، وكاد يُحدث في فن كتابته ثورة، لا تقل عن الثورة التي أحدثها في الفلسفة السياسية كتاب الأمير. وقد رفض الخرافات التي كانت فلورنسة تُجمل بها منشأها، وكان يعالج الحوادث، ويبحث في أسبابها ونتائجها.
اما عن مكيافيللي الفيلسوف، فقد كانت فلسفته سياسية خالصة، وهو لم يستمدها من التاريخ، ولكنه يختار منه حوادث تؤيد النتائج التي قادته إليها تجاربه وأفكاره، ولفلسفته السياسية تخضع الفلسفة الأخلاقية – كل ما هو مفيد فهو ضروري، والقوة تكون عادلة عندما تكون ضرورية- وتكون أداة لها إلى حد كبير. وهو يفهم السياسة على أنها الفن العالي الذي يراد به إيجاد دولة، أو حمايتها، أو تقويتها، أو الاستيلاء عليها. ولِمَ تنشأ الدول وتسقط. ويرى أن فلسفة التاريخ، وعلم الحكم أمكن وجودهما لأن الطبيعة البشرية لا تتبدل أبداً، وأن العالم كان هو بعينه على الدوام، وكان وما زال يحتوي دائماً الخير والشر، مع اختلاف توزيعهما بين الأمم باختلاف الأوقات. وبحث في ظاهرتي نشأة الحضارات والدول واضمحلالها، وأن للحظ والمصادفات أثر في ذلك، (فالحظ هو الذي يتحكم في نصف أعمالنا، ولكنه يترك لنا مع ذلك القدرة على توجيه النصف الآخر). وتاريخ دولة ما يتبع قوانين عامة، يحددها ما تنطوي عليه طبيعة الناس من خبث وشر، والناس كلهم بطبيعتهم مخادعون، مخاصمون، قساة، فاسدون.، ولجعل الناس أخياراً يعيشون بنظام في مجتمع، يجب أن يطبق عليهم القسر، والخداع، والاعتياد واحداً بعد واحد. وكلما كانت الدولة أكثر نماءً، قلَّت الحاجة إلى استخدام القوة أو ظهورها فيه. ويرى، وهو الكافر الهجاء(1)، أن الدين هو خير وسيلة لتعويد الناس الخضوع إلى القانون والنظام. ووجه أشد النقد للدين المسيحي لأنه عجز عن إيجاد مواطنين صالحين، بتحويله اهتمامه إلى السماء، والاستخفاف بحب الدنيا. وهو إنْ قبل اللاهوت المسيحي بما فيه من معتقدات فوق الطبيعة تكون دعامة لا غنى عنها للنظام الاجتماعي، فإنه يرفض مبادئها الأخلاقية، وما تراه من أن الصلاح والخير هما الرقة، والذلة، والاستسلام، وعدم المقاومة، ونزعة السلام المسيحية سخف وخيانة. والحكومة وهي تدافع عن الدولة لا يجوز أن تسمح بأن تقيد نفسها بالقانون الأخلاقي الذي يجب أن تغرسه في نفوس شعبها. والدبلوماسي غير مقيد بهذا القانون، ذلك أن الغاية تبرر الوسيلة. والسياسة كفن للحكم يجب أن تكون مستقلة عن الأخلاق استقلاً تاماً.
كانت المشكلة الرئيس لمكيافيللي، وهو يرى ما يسود بلاده من انقسام، واضطراب، وفساد، وضعف، هي وحدة إيطاليا، وأن تكون قوية لنيل حريتها الاجتماعية. وقال: (لا تستطيع أمة أن تكون متحدة وسعيدة إلا إذا تطيع حكومة واحدة سواء كانت جمهورية أو ملكية، كما هي الحال في فرنسا وإسبانيا، والسبب الوحيد الذي يمنع إيطاليا من وحدتها هي الكنيسة التي حصلت لنفسها على سلطان زمني ولم تستخدم جميع مواردها لإخضاع إيطاليا، التي مضى عليها قرنان من الزمان وهي مقسمة، لحكمها السياسي. ويشدد على أن السبيل للوحدة لا يكون بالإقناع بالوسائل الديمقراطية، بل بفرضها على الناس والمدن بجميع وسائل السياسة والحرب، ولا يستطيع أن يفعل هذا غير الطاغية القاسي الذي خلا قلبه من الرحمة، ويجعل هدفه العظيم يبرر كل ما يلجأ إليه من الوسائل.
ربما أن هذه النوازع قد دفعته لتأليف كتاب "الأمير" 1513،(2) عام جلوس ليو العاشر على كرسي البابوية، واتحدت فلورنسة وروما تحت سلطة آل ميديتشي بعد عداوة طويلة بينهما، وهي التي تتزعم الكنيسة. وإهدائه الكتاب لهذه الأسرة ظناً منه أنها هي التي يمكن أن تحقق وحدة إيطاليا، مع هدفه الحصول على منصب في هذه الدولة.
لقد أحدثت محتويات "الأمير" ثورة لا شك فيها، فلم توجه في الكتاب دعوة إلى أمير من الأمراء ليكون قديساً، ولم يُطلب أليه أن يطبق ما جاء من أقوال السيد المسيح في موعظة الجبل، بل يقول: لمَّا كنت أقصد أن ـأكتب شيئاً يفيد من يفهمه، فإنه يبدو لي أن اتبع حقيقة الأمور الصحيحة من أن أجري وراء الخيال، ...... ومن ثم كان لا بد للأمير الذي يريد أن يحتفظ بمركزه أن يعرف كيف يرتكب الخطأ وأن يفيد منه أو لا يفيد حسبما تدعو الحاجة إليه. ولهذا من واجبه أن يفرق بين المبادئ الأخلاقية ومطالب الحكم، أي بين ضميره الخاص والصالح العام، وأن يكون مستعداً لأن يعمل من أجل الدولة ما يسمى شراً في علاقة الأفراد بعضهم ببعض........ ومن واجب الأمير أن يقتل من ينازعونه عرشه. ولا بد له أن ينشئ حيشاً قوياً لأن الحاكم لا يستطيع أن يتحدث بصوت أعلى من مدافعه. وعليه في الوقت نفسه أن يدرس فنون الدبلوماسية، لأنه يستطيع أن يحصل بالمكر والخداع في بعض الأحيان أكثر مما يستطيع أن يحصل عليه بالقوة، ويجب عليه أن لا يتمسك بالمعاهدات إذا أصبحت تجلب الضرر للأمة، "والسيد العاقل لا يستطيع ولا يجب عليه أن يحافظ على العهد إذا كان في وسع أعدائه أن يتخذوا محافظته هذه سلاحاً لإيذائه، وإذا ما زالت الأسباب التي جعلته يقطع هذا العهد على نفسه. ولا غنى للأمير عن قسط من تأييد الشعب. ولكن إذا كان لا بد أن يختار بين أن يخافه الشعب دون أن يحبه، وبين أن يحبه دون أن يخافه وجب عليه أن يضحي بالحب. لكن حكم الجماهير بالرأفة والرقة أسهل من حكمها بالغطرسة والقوة.... ويجب أن يبدو الأمير لمن يرونه ويستمعون له كأنه الرحمة، والإيمان، والتدين، والاستقامة مجسمة، وعلى الإنسان أن يلوِّن سلوكه، وأن يكون مرائياً، وكاذباً.
يجمع المفكرون والفلاسفة على التنديد بأفكار مكيافيللي وبكتابه هذا، وغداة نشره 1532، صدرت كتب كثيرة تعارضه. أما الحكام بأكثريتهم يجمعون على العمل بما ورد فيه من مبادئ للحكم، ودرسه ملك اسبانيا شارل الخامس بعناية فائقة، وجاءت به كاترين دي ميديتشي (زوجة ملك فرنسا هنري الثاني) إلى فرنسا، واقتناه ملكا فرنسا هنري الثالث وهنري الرابع، وكان رئيس وزراء فرنسا ريشيليو 1585- 1642 كثير الاعجاب به، وكان ملك إنجلترا وليم أورانج يضعه تحت وسادته كأنه يريد أن يستظهره. بينما كتب ملك بروسيا فردريك الأكبر كتابه ضد مكيافيللي ليجعله تمهيداً لكتاب يتجاوز فيه ما ورد في كتاب الأمير.
لقد حاول الحالمون أن يجعلوا من مكيافيللي ثائراً، وادعوا أنه لم يكتب "الأمير" ليعبر عن فلسفته، بل من قبيل السخرية، ليكشف للناس عن أساليب الحكام وحيلهم. وقد كتب فرنسيس بيكون (إنا لنشكر لميكيافيللي وأمثاله من الكتاب الذين أظهروا صراحة وفي غير خداع ما اعتاد الناس أن يفعلوه). وأما هيجل فقد كتب: (كثيراً ما أخرج كتاب الأمير في رعب لأنه يحتوي حكماً وأمثالاً تدعو إلى أشد أنواع الاستبداد وأدعاها إلى الاشمئزاز، ولكن الحقيقة أن شعور مكيافيللي القوي بضرورة قيام دولة موحدة هو الذي دعاه إلى وضع المبادئ التي لا يمكن أن تقوم دول في الظروف المحيطة به وقتئذٍ إلا على أساسها....). وقال السياسي والأستاذ الجامعي دوفرجيه عندما قارن بينا أرسطو ومكيافيلي: "لقد أوجد أرسطو الركن الأول ف علم السياسة وهو اعتماد منهج الاستقراء والملاحظة، وأوجد مكيافيلي الركن الثاني، وهو المنهج الموضوعي المُجرد من الاهتمامات الأخلاقية." كذلك صور مكولي" Macaualy" في مقال له فلسفة مكيافيللي على أنها انعكاس طبيعي لإيطاليا المتوقدة الذكاء الفاسدة الأخلاق التي عودها حكامها المستبدون من زمن بعيد مبادئ كتاب الأمير.
يعتبر مكيافيللي، الذي أراد توحيد إيطاليا فأصبح ملهماً للطغاة، مؤسساً للتنظير السياسي الواقعي - الذي أصبح، فيما بعد، عصب العلم السياسي- ويمثل نموذجاً من تحدي الوثنية المنتعشة التي عادت إلى الحياة للمسيحية المستضعفة، والدين في فلسفته يصبح مرة أخرى، كما كان في روما القديمة، خادماً ذليلاً للدولة التي حلت في واقع الأمر محل الله. والفضائل التي يمجدها مكيافيللي هي الفضائل الرومانية الوثنية التي تعمل لقيام دول قوية ذات نزعة حربية، وحكام طغاة في مقدورهم أن يقتلوا الناس ليرغموهم على التضامن والائتلاف، وعلى إراقة الدماء لتوسيع رقعة البلاد التي يحكمونها، وخلط بين خير الحاكم وخير الأمة، وأفرط في التفكير في الاحتفاظ بالسلطة. وضلَّ في عبادة الدولة ضلالاً مبيناً.
ومع ليوناردو دا فنشي، أصبح نيكولو مكيافيلي ( وهما منحدران من أسرة توسكانية عريقة) الشخصية المثالية لرجل عصر النهضة.ومن اللائق أن يقال أن مكيافيلي يستحوذ على صفات "الذكاء المكيافيلي"، عوضاً عن وصفه بالمكيافيلية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)لقب أطلقه عليه (باولو جيوفيو) وهو أحد المعجبين يه.
(2)نشر الكتاب بعد وفاته بخمس سنوات