وردة وتحية إلى منى (إلياس) في أربعين رحيلها
2024.03.02
جمانة طه
تظن عامة الناس أنَّ للموت وجوهًا عديدة، في حين يؤكد الواقع أن له وجهًا واحدًا فقط. فلو أن الموت لا يختار البشر إلا في عمر محدد، لما كان له أي عبرة أو مغزى. لكنه يأتيهم في ظروف مختلفة وفي أعمار مختلفة، ولا يملكون في ذلك خيارًا ولا دفعًا. وإذا كانت بعض الحيوانات تحس بقرب نهايتها، مثل الفيل على سبيل المثال الذي يعبر عن هذا الإحساس بترك قطيعه والانزواء بعيدًا عنه ليموت وحيدًا، فإنّ قلة من البشر تشعر بلحظة النهاية. ومن نعم الله علينا أنه حجب عنَّا موعد موتنا، وإلا لأصبحت حياتنا مربكة ومرتبكة، وتوقع الموت أصعب من حدوثه. ومما يخفف من وقع الموت على النفس البشرية، أنَّ له صفة كونية وكما تقول العامة: "كاس على كل الناس".
لكن البوذيين وآخرين غيرهم هربوا من فكرة الفقد والفناء بالموت، إلى التجدد عبر التناسخ. فكل موت في رأي بوذا يزول أثره بولادة جديدة، فيقول وكما جاء في قصة الحضارة عند "ول ديورانت": "وهكذا ركزت عقلي في حالة من نقاء وصفاء.. ركزته في فناء الكائنات وعودتها إلى الحياة في ولادة جديدة، وبنظرة قدسية مطهرة إلهية، رأيت الكائنات الحية تمضي ثم تعود فتولد دَنيّة أو سَنيّة، خيرة أو شريرة، سعيدة أو شقية، حسب ما يكون لها من كارما، وفق ذلك القانون الشامل الذي بمقتضاه سيلتقي كل فعل خير ثوابه، وكل فعل شرير عقابه، في هذه الحياة، أو في حياة تالية تتقمص فيها الروح جسدًا آخر".

حين كنت في السنة الثالثة في قسم اللغة العربية تزوجت وانشغلت عن متابعة الدراسة بالإنجاب والتربية، ومن ثم بمرافقة زوجي الطبيب في مدة إيفاده إلى بريطانيا لتحصص بالجراحة العامة. وعندما عدنا إلى دمشق وتم ترتيب التحاق الأولاد في المدرسة، فكرت أن استكمل دراستي الجامعية. وبعد تذليل بعض الأمور الإجرائية، عدت إلى مقاعد الدراسة بشغف مع ثلاث مواد "نقد قديم، نقد حديث، علوم اللغة العربية"، وكان عليّ أن أجتهد لأنجح وأنتقل إلى السنة الرابعة. وبسبب هذا الغياب الطويل حاولت بجهد ومحبة أن أجد لي مكانًا بين زملاء جدد وأصغر مني عمرًا، بالتزام بالدوام وحضور ما أمكنني من الدروس، وكانت البداية مع محاضرة في علوم اللغة العربية. دخلت المدرج، فرأيت على المنبر سيدة صغيرة في العمر والقد. المشهد كله أدهشني وأضحكني، أدهشني لأني لم أتوقع أن أجد سيدة باسمة وسمحة الوجه تدرس هذه المادة المهمة والصعبة بعد مدرسها التليد أستاذنا الكبير سعيد الأفغاني طيب الله ثراه، الذي كان يُرجف قلوبنا عند دخوله المدرج. والمضحك في الوضع ذاته أن الطلاب كانوا يخاطبون الأستاذة بلقب آنسة ومظهرها يدل على أنها حامل. في نهاية الدرس وقبل أن تغادر الدكتورة المدرج تقدمت منها للسلام وتعريفها بنفسي، فلمست أنسها وكياستها وقربها من الآخر، وهذه مشاعر لم آلفها في الماضي. هذا السلام امتد بيني وبين الأستاذة منى الياس إلى علاقة وطيدة من الصداقة والمحبة تجاوزنا فيها حواجز الزمن والرسميات. ومع مرور الأيام والسنوات التي قاربت نصف قرن صارت زيارة منى لي من الأساسيات في حياتي، وبخاصة في شهور الصيف حين كنا نجلس على شرفتي نلعب الورق ونستمع إلى الموسيقى والأغاني من الراديو الترانزستر. رحيل منى المفاجئ صدمني وأوجعني لأني لم أكن بقربها في مرضها، وعطّل حواسي عن التصديق وقلمي عن اختزال علاقة سامية متينة ببعض نثائر وحروف؟
في مرحلة سابقة من حياتي كان الموت يرافقني في تفاصيل يومي ويرقد أحلامًا بين أجفاني، وبكثير من الجهد والتصميم تمكنت من وضعه في قمقم النسيان. لكن عندما يتوفى صديق أو صديقة يخرج الموت من قمقمه، وينتصب في ذاكرتي ماردًا يشل الحركة والتفكير وتصغر أمامه كل مقدرة. فمن أقسى لحظات العمر أن نفقد بالموت من نحبهم. يا له من فقد ظالم، فهو لا يذهب بمن نحب وحده وإنما يأخذ معه قطعة من روحنا.
ولدت الدكتورة منى الياس لأم لبنانية وأب سوري في العام 1947 في بلدة فيروزة من ريف مدينة حمص وبقيت وحيدتهما، وتوفيت في مدينة دمشق 2024. تعلمت في مدارس حمص وتخرجت في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق وكانت الأصغر سنا في دفعتها. أتمت دراستها العليا في مصر ونالت درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس. شغلت لعدة سنوات منصب رئيسة قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة دمشق، وقدمت عددًا من البرامج الثقافية في التلفزيون السوري، منها: في "رحاب العربية"، و "في رحاب الأدب". ونشرت الكثير من المقالات المتنوعة المواضيع، والزوايا المتخصصة بالنحو والصرف في الصحف المحلية. لها عدة كتب: "القياس في النحو والصرف"، و"محتارات في النحو والصرف، و"النحو وتاريخه، و"الأصوليون اليهود بين أساطير التوراة والعلم المعاصر". تحلت منى إلى جانب العلم والمعرفة بكياسة مشهود لها بها، ومروءة تتجلى في خدمتها الآخرين ومساعدتهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
درجنا في مجتمعنا على عادة اجتماعية جميلة تتمثل في دعائنا لمن نحبهم بطول العمر، وفي فترات مرضهم العضال نطلب لهم من الله الراحة والسكينة خوفًا عليهم من وطأة الوجع. ومن خلال عشرتنا الطويلة أنا ومنى أرى أنها لم تمت هكذا دفعة واحدة وإنما ماتت على دفعات، بفعل ما واجهته من متاعب وخصومات في علائقها الأسرية القلقة والمرتبكة. فلا الزمن صفا لها ومنحها ما تستحق من راحة وهدأة بال، ولا الأسرة التي استهلكت عمرها وتفكيرها وقدميها وهي تسعى ركضًا من أجل تأمين متطلبات أفرادها البيتية والدرسية، دفعوا عنها الشعور بالإحباط وأحاطوها بشيء من الفرح والأمان الاجتماعي. فالحياة عندما تقفر من الاستقرار النفسي والعاطفي، تصبح موتًا مسبقًا.
في التعاليم المسيحية نقرأ أن الميت الصالح إيمانًا وعملًا، لن يموت بل سيحيا. وذلك لقول المسيح عليه السلام: "من آمن بي، وإن مات فسيحيا". كما أن الدين الإسلامي لا يبتعد في هذا المجال عن المعنى ذاته، فالإنسان المؤمن سيعيش في الحياة الآخرة حياة سعيدة "لا يتعب فيها ولا يشقى".
تغمدك الله بواسع رحمته يا صديقتي الغالية، وأنعم عليك بالمغفرة والرضى والجنان.