(المستبد المستنير) الذي اغتاله النبلاء
2024.01.31
مروان حبش- فينكس
ملك السويد جوستاف الثالث، سلك مسلك الملك الدستوري في حكمه وخضع للدستور، وقام بإصلاحات نافعة، فأصلح القانون والقضاء، وألغى التعذيب، وخفف العقوبات، وثبت العملة، وأجاز حرية التجارة في الغلال، وأطلق عقال الصناعة من نظم النقابات الحرفية التي شلَّت حركتها، وخفف الضرائب على الفلاحين، وأعاد تنظيم الجيش والأسطول، ومنح التسامح لجميع المذاهب المسيحية ولليهود في ثلاث مدن كبرى منهياً بذلك احتكار المذهب اللوثري لتقوى السويديين. ولقد وافق المجلس النيابي الذي دعاه للانعقاد عام 1778 بالإجماع على هذه الإصلاحات. وفي زحمة النشاط التشريعي والإداري أيام حكمه، أسهم أيضاً في تفجر رائع للآداب والعلوم، وأوقف السويد بهم على قدم المساواة مع التطورات الفكرية الأوربية في القرن الثامن عشر، وأسلمت السويد عقلها أكثر فأكثر للتنوير، وأسفر استيراد المؤلفات الفرنسية والإنجليزية أو ترجمتها عن علمنة للثقافة وتهذيب للذوق والأشكال الأدبية، وأصبحت الشعارات السائدة في كل مكان هي (العقل، والتقدم، والعلم، والحرية، والحياة الطيبة هنا على الأرض). وأسس الملك الأكاديمية السويدية لتهذيب اللغة وصقلها، على غرار الأكاديمية الفرنسية، وأشعر رجال الأدب والعلم والموسيقى، بأن جوده وكرمه المالي على الأكاديمية حق لهم، ورفعهم إلى مقام اجتماعي جديد بدعوتهم إلى بلاطه، ثم حفزهم بمنافسته إياهم، واستنهض المواهب الوطنية لإخراج تمثيليات لمسرح سويدي حقاً، وتناول الملك القلم في عام 1781 وألف سلسلة من التمثيليات ما زالت تحتفظ بمكانة مرموقة في الأدب السويدي، وكان يستقي موضوعاته من سجلات التاريخ، وقد علم شعبه تاريخ أمتهم كما علم شكسبير الإنجليزي.
وبفضل قيادة هذا الملك، وبفضل ثلاث جامعات (أوبصلا، وآبو، ولوند) دخلت السويد حركة تنويرها الخاصة.
وتبوأ مكاناً له بين حكام القرن (المستبدين المستنيرين)، وأشاد به فولتير باعتباره (الوريث الجديد باسم جوستاف العظيم)، وبعث إلى فولتير عام 1774 نسخة من الأمر الذي يكفل حرية النشر، مع رسالة يقول فيها: (إنك أنت الذي يجب أن تسدي إليك الإنسانية الشكر على تحطيم العقبات التي ألقاها الجهل والتعصب بطريق تقدمها). وكتب إلى صديق له: (لقد بلغت أسعد مراحل حياتي العملية، فأفراد شعبي مقتنعون بأنني لا أبغي شيئاً غير زيادة رفاهيتهم، وتوطيد دعائم حريتهم).
تآمر النبلاء على اغتياله، وأطلق أحد أعوانهم عليه النار في 6 آذار 1792 وأصابه بجوح مميتة، وتم القبض على رؤوس المؤامرة ومحاكمتهم، وبعد عشرة أيام، أُنبئ بأنه لم يبق له في الحياة غير ساعات، أملى وثائق بتعيين هيئة وصاية تحكم البلاد، وبكته الأمة كلها تقريباً.