الهُوية المتعصبة والكراهية
2023.10.18
مروان حبش- فينكس
ليس من صعوبة كبيرة في الاقتناع بأن شيئاً ما يطابق نفسه، ولكن يمكن أن تكون مسألة الهوية أمراً معقداً، ويتزايد التعقيد كثيراً عندما يتغير الانتباه من فكرة أن يكون المرء متطابقاً مع نفسه، إلى فكرة التطابق في هوية واحدة مع آخرين من جماعة معينة، وهو الشكل الذي تأخذه في الأغلب الأعم فكرة الهوية الجامعة، هوية المواطنة. والحق أن كثيراً من القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة تدور حول ادعاءات متضاربة لهويات تختص بجماعات مختلفة، حيث إن مفهوم الهوية يؤثر، بوسائل مختلفة، في الأفكار والأفعال.
إن الهوية المشتركة مع الآخرين في الجماعة الاجتماعية نفسها يمكن أن تجعل حياة الجميع تسير بشكل أفضل كثيراً في هذه الجماعة، ولهذا ينظر إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة إنسانية ما باعتباره أحد مصادر الثروة. وما يمكن أن يُثري الروابط هو التركيز على هويات معينة، وهذا يساعد في تجاوز الحياة المتمركزة حول الذات ويجعل الناس تفعل أشياءً كثيرة بعضها لبعض.
إذا كان التفكير القائم على الهوية يمكن أن يستجيب بسهولة لتخيلات محددة، ولا يمكن أن تكون السبيل هي محاولة كبح أو كظم استحضار الهوية بشكل عام. لأن الهوية، بداية، يمكن أن تكون مصدراً للثراء والسلم، كما يمكن أن تكون مصدراً للكراهية والعنف والترويع، وسوف يكون من غير المعقول أن تعتبر الهوية شراً على العموم، وعلى العكس، يجب أن يُعتمد على فهم أن عنف هوية عدوانية يمكن مواجهته بالقوة المحركة لهويات منافسة. وهذه الهويات المنافسة يمكن بالطبع أن تشمل المعنى العريض العام للإنسانية المشتركة، غير أنها تشمل أيضاً هويات أخرى كثيرة ينتمي إليها الفرد في الوقت ذاته. ويقود هذا إلى وسائل أخرى لتصنيف الناس، ووسائل تستطيع كبح الكراهية والاستخدام العدواني بخاصة، ومنعه من استغلال تصنيف بعينه.
يميل بعض المفكرين إلى التأكيد بأن سيادة هوية جماعية إنسانية ليست مسألة اختيار، إنما هي مسألة ادراك للذات، والواقع أن الإنسان يقدم على اختيارات بصفة مستمرة، وإن حرية الوصول إلى قرار في ما يخص الولاءات والأولويات بين الجماعات المختلفة التي قد ينتمي الفرد إلى كل منها هي حرية مهمة بشكل خاص، وهي حرية يملك الإنسان من العقل والقدرة على التفكير والمنطق ما يجعله يعترف بها ويقدرها ويدافع عنها.
إن الإنسان ما هو في حاجة إليه قبل كل شيء، هو فهم نابع من عقل واضح لأهمية ما يمكن أن يكون لديه من حرية في تقرير أولوياته، ويتصل بهذا الفهم أنه في حاجة إلى أن يتعرف بدرجة ملائمة على دور وكفاءة الصوت العام المتعقل. لأن للعقل والتفكير دوراً في اختيار الهوية.
لا يمكن تجاوز أو انكار دور التفكير والاختيار الذي ينبع من الاعتراف بهويات متعددة، وإن وهم هوية مفردة وانعزالية أكثر إثارة للشقاق من عالم متسع من التصنيفات المتعددة والمتنوعة التي تسم العالم الذي يعيش الناس فيه بالفعل، والضعف الذي يكمن في صورة هوية منفردة لا اختيار فيها هو الإفقار الهائل لقوة وقدرة التفكير الاجتماعي والسياسي.
من ضروريات خوض الحياة الإنسانية، تحمل مسؤوليات الاختيار والتفكير، لأن الإنسانية تتعرض لتحديات وحشية عندما تُوَحد التقسيمات المتنوعة في العالم في نظام تصنيف واحد مهيمن مزعوم يعتمد على الدين، أو الجالية، أو الثقافة، أو الأمة، أو الحضارة باعتبارها ذات سطوة متفردة.
إن وجود الاختيار لا يدل على عدم وجود ضغوط تقيده، والاختيارات دائماً ما تكون داخل حدود ما يُنظر إليه على أنه ممكن وقابل للتنفيذ، والقابلية للتنفيذ في حالة الهويات تعتمد على السمات الشخصية للفرد، وعلى الظروف التي تحدد الإمكانيات البديلة المتاحة له. حتى لو حدث في مناسبات معينة أن وجد الناس صعوبة في إقناع الآخرين بالاعتراف بوثاقة صلة الهويات بدلاً مما يتم ترتيبه بغرض التشويه، فليس هذا سبباً كافياً لتجاهل تلك الهويات الأخرى عندما تختلف الظروف.
لقد كانت الحملات لتغيير إدراك الهوية الذاتية مسؤولة عن كثير من الأعمال الوحشية في العالم، وتحويل من كانوا أصدقاء في السابق إلى أعداء جدد، وتحويل الطائفيين، أو العنصريين الكريهين، فجأة إلى زعماء سياسيين أقوياء. وهكذا فإن الحاجة إلى التعرف على دور التفكير والاختيار في الفكر القائم على الهوية، وهذه الحاجة هي أمر يتطلب كثيراً من العناية، كما أنها في الوقت نفسه بالغة الأهمية.
إن الأمل الرئيس للانسجام، يكون في الهوية الجماعية (هوية المواطنة) التي هي الهوية الِأسمى، والتي لا نظير لها، ويقع أيضاً، في تعدد الهويات، التي تتقاطع كل منها عبر الأخرى، وتعمل على الحد من التقسيمات الحادة حول شكل واحد متصلب من التقسم القسري الذي يزعم أنه لا يمكن مقاومته.
إن التحريض على الكراهية والعنف يحدث بفرض هويَّات مفردة انعزالية، تضخ العدوانية، يناصرها ويؤيدها محترفون بارعون للإرهاب على أناس آخرين، ويمكن أن يقدم الشعور بالهوية مساهمة مهمة لجعل العلاقة مع الآخرين قوية ودافئة، ويمكن أن يكون هذا لشعور بالهوية مصدراً، ليس فقط للفخر والبهجة، بل أيضاً للقوة والثقة. وليس من المدهش أن فكرة الهوية تلقى مثل هذا الإعجاب واسع الانتشار.
ومع التحريض المناسب، يمكن أن يتحول وعي متعمق منذ النشأة بهوية مشتركة مع جماعات من الناس إلى سلاح قوي يوجه بوحشية ضد جماعة أخرى. لأن العنف ينمو عندما نعمق احساسنا بالحتمية حول هُوية يُزعم بأنها فريدة. كما أن القواعد التي يقوم عليها الحط من قدر الآخرين لا تتضمن فقط المزاعم المغلوطة، ولكن أيضاً الوهم أن هوية مفردة يجب أن يربطها الآخرون بالشخص، لكي يحطوا من قدره.
إن كثيراً من النزاعات الوحشية في العالم تتغذى على وهم هوية متفردة لا اختيار فيها. وفن بناء الكراهية يأخذ شكل إثارة القوى السحرية لهوية مزعومة السيادة والهيمنة تحجب كل الانتماءات الأخرى، وعندما تُعطى هذه الهوية شكلاً ملائماً ميالاً للعدوان، يمكن أيضاً أن تهزم أي تعاطف انساني أو مشاعر شفقة فطرية قد تكون موجودة في النفوس بشكل طبيعي.
إن القبول غير المشروط بهوية جامعة، قد لا يكون دائماً نتيجة مضامين تقليدية، وإنما يمكن أن يتعلق أيضاً بإعادة توجيه جذري للهوية، إعادة توجيه يمكن ترويجها بزعم أن الهوية "اكتشاف" دون اختيار منطقي، ويمكن أن يؤدي هذا دوراً مروعاً في إثارة العنف بعد تغييرات كبيرة في الهوية، تصبح بعدها الهوية المتعصبة هي المسيطرة. ويستخدم سلوك القطيع العنصري لتوحيه الناس إلى "اكتشاف" هوياتهم العدوانية، من دون إخضاع هذه العملية لتأمل نقدي.
أصبح الناس أنفسهم فجأة مختلفين، ويمكن تصنيف الناس وفق العديد من نُظم التقسم، كل منها له بعض العلاقة، بعيدة الأثر، في حياتهم، مثل القومية، المكانة الاجتماعية، الموقع، اللغة، السياسة، الدين، المذهب، الطائفة....، لأن الوهم الذي يمكن استحضاره بغرض تقسيم الناس إلى مثل هذه التصنيفات الجامدة المتفردة يمكن استغلالها لدعم إثارة النزاع بين الجماعات وإن مثل هذا التصنيف يؤدي إلى حصر الناس ثابتين داخل مجموعة فريدة من القوالب المغلقة والجامدة، وتُطمس التقسيمات الأخرى لرؤية الاختلافات بين الناس. ونجد العالم قد أصبح مجموعات من الأديان، وتصبح ديانة المرء هي كل هويته. وبذلك تصبح هذه الهوية، إذا أخذت معتقداً غير ناضج وأصبحت هي الهوية الوحيدة حصراً، مصدراً للكراهية والعنف..
إن ما تتسم به الجماعات التعددية من تركيبات وولاءات متعددة لا يجوز طمسه من خلال حصر الشخص داخل انتماء واحد متمحور حول الذات، يحل محل الإدراك بالهوية المشتركة مع آخرين، ومحل ثراء الحياة البشرية الغزيرة ومدى مساهمتها في إنهاء التوتر والعنف الاجتماعي.
كل إنسان له موطنه، ومكان إقامته، وله أصل جغرافي، ونوع جنسي، وطبقة، وانتماء سياسي، ومهنة، والتزامات اجتماعية..، وهذا يجعل الأفراد أعضاء في جماعات متنوعة. أي في كل سياق اجتماعي، هناك عدد من الهويات القابلة للبقاء والدوام. وإن الهويات ذات بنية تعددية متينة، وإن أهمية هوية واحدة جامعة لا تتطلب بالضرورة محو أهمية الأخريات، ويمكن أن يكون الاشتراك في الهوية مع آخرين مسألة شديدة الأهمية من أجل العيش في مجتمع ما.
إن شخصاً يتمتع بهويات متعددة قد يضطر لأن يقرر في حالة التعارض، الأهمية النسبية للهويات المختلفة، والأولويات التي تتعلق بانتماءاته وصلاته المختلفة. وإن لا معقولية لأطروحة الانتماء المنفرد. وإن التصغير المصطنع للكائنات البشرية داخل حدود هويات انفرادية يمكن أن تكون له آثار مسببة للخلاف والشقاق، وتجعل العالم قابلاً للمزيد من الفتن والقلاقل والكراهية التي تصبح فناً وحرفة.
إن الكراهية والعنف بين الهويات المنفردة، في كل مكان من العالم لا يقل اليوم فجاجة، ولا يقل اختزالية، عمَّا كان في السابق. فوراء دعم الوحشية الفظة، يوجد أيضاً اضطراب مفاهيمي حول هويات الناس، يحول البشر متعددي الأبعاد إلى مخلوقات ذات بُعد أحادي.
إن وهم الهوية المنفردة، الذي يخدم أهداف العنف لأولئك الذين يرسمون تلك المواجهات، يُزرع ويُتعهد بمهارة على يد قادة الاضطهاد والمذابح. وليس من الغريب أنَّ توليد وهم الهوية الفريدة، القابل للاستغلال لأغراض المواجهة، يمكن أن يعجب هؤلاء الذين يستفيدون من إثارة العنف في عالم من الهويات المتعددة، وإن وهم الانفرادية الذي يجري تعهده وتنميته، والدفاع عن هوية فريدة من أجل غرض عنيف يعتمد على بعض الغرائز الأساسية واستخدامها للضغط على حرية التفكير، وتحويل الحس بفهم الذات إلى أداة قتل بسبب تجاهل أهمية الانتماءات، وبإعادة تحديد مطالب الهوية الوحيدة في قالب قتالي بشكل خاص.