في سيادة القانون
2023.04.14
مروان حبش- فينكس:
ليس ثمة سبب وحيد لأهمية تقيد المسؤولين والمواطنين بالقانون. وتجسد سيادة القانون مجموعة من الأهداف، معظمها وثيق الصلة ببعضه البعض.
- تقييد ممارسة السلطة
في كثير من الدول، إن لم يكن في جميعها، تتمتع الحكومة بسلطة هائلة على مواطنيها. ولديها سلطة معاقبة أو القيام من ناحية أخرى بفرض جزاءات سلبية عليهم. فهي تجبي الضرائب. وتقدم مساعدات مالية أو غير ذلك من المزايا. وتؤثر السلطة الحكومية تأثيرا عميقا على حياة المواطنين.
وإذا ما أُلزم المسؤولون بالتصرف عملا بالقانون ووفقا له، فإن ممارسة السلطة سيكون محصورا في حدود القانون. وسيادة القانون تقيد السلطة التقديرية وتعوق الممارسة الخاطئة للسلطة، أي بعبارة أخرى الممارسة القائمة على التعمد والتعسف والتحامل والهوى والتحيز. وهذا هو أهم سبب في أنه لا غنى عن سيادة القانون.
ومن الواضح أن المواطنين يستفيدون من عدم ممارسة سلطة تعسفية. ولكن سيادة القانون مهمة لأسباب أخرى أيضا. فالمستثمرون الأجانب على سبيل المثال لا يجتذبهم بلد يتعين أن تقترن فيه كل معاملة رسمية بمنح رشوة أو عندما تخضع حماية الممتلكات إلى أهواء المسؤولين.
وأي بلد يرغب في اجتذاب رأس مال ينجح بقدر أكبر لو تمكن من ضمان أن تنفذ المعاملات الاقتصادية في إطار مجموعة واضحة ومستقرة من القوانين، وأن تتوافر وسائل انتصاف قانونية، وأن يمكن الاعتماد على القرارات، وأن تتصرف السلطات وفقا للقانون. وإخضاع ممارسة السلطة الحكومية للقانون هو أمر في صالح قطاع الأعمال وحقوق العمال.
- اليقين القانوني والحرية
هناك قيمة أخرى تشكل أساس سيادة القانون وهي اليقين. وسيادة القانون تعد شرطا مسبقا للثقة المتبادلة.
وإذا مارست الحكومة السلطة وفقا للقانون، سيكون المواطنون قادرين على التنبؤ بـ: متى وكيف ستستخدم الحكومة سلطتها، وهل ستواجه تصرفاتهم وكيف ستقوم بذلك. فالمواطنون يمكن أن ينصرفوا إلى أداء أعمالهم في ظل الوعي المريح بأنهم لن يواجهوا إجراءات ضارة، مثل الغرامات أو السجن أو أي تدخل قهري آخر. وينبغي أن يتمكنوا أيضا من تلقى المستحقات أو الإعانات التي تكون الحكومة مضطرة لتقديمها بموجب تشريع ذي صلة بالموضوع.
وإذا تم احترام سيادة القانون، فيمكن أن نتوقع أن يتصرف كل فرد تقريبا وفقا للقانون كل الوقت تقريباً.
ويمكن أن نعرف أيضا القواعد التي تنطبق في حال وجود مشكلة. ومن شأن وجود سلطة قضائية مستقلة ونزيهة ووكالات للإنفاذ تتيح وسائل انتصاف في الحالات التي لا يتصرف فيها الناس وفقا للقانون أن يعزز الشعور باليقين.
ويحظى هذا بأهمية خاصة عند التعامل مع أشخاص لا يعرفهم الفرد أو يعرفهم من بعد فقط. ويشجع اليقين الأفراد على الدخول في معاملات قصيرة الأجل وطويلة الأجل. وهذا مفيد في جملة أمور منها المعاملات الاقتصادية. وسيادة القانون بهذا المعني، تيسر التنمية الاقتصادية.
وإلى جانب هذه الفائدة المجتمعية، فإن اليقين مفيد للمصلحة الشخصية. فلو شعر الأفراد بالثقة في أنهم يعرفون ما يمكنهم عمله وكيف سيرد الأفراد على تصرفاتهم، فسيشعرون أن بإمكانهم أن يستقروا على خيارات قصيرة الأجل وطويلة الأجل والتصرف تبعا لذلك. وتعد هذا القدرة على تخطيط حياة الفرد مسألة تكفل الحرية. وبالطبع، فإن هذه الحرية يمكن أن تصبح محض خيال بفعل عوامل أخرى، مثل الفقر. ولكن هذه مسألة أخرى لا تقلل من أهمية قيمة سيادة القانون، وخاصة وأن الفقر غالبا ما يكون بالأحرى وليد غياب سيادة القانون.
- المساواة في المعاملة
تتمثل القيمة الثالثة التي تشكل أساس سيادة القانون في المساواة في المعاملة. فعندما يطبق المسؤولون والقضاة القانون بعدل، لن يكون بإمكانهم معاملة الناس معاملة مختلفة، فهم متساوون في عين القانون.
ولن يمكنهم معاملة شخص ما، أو جماعة ما، معاملة مختلفة بسبب التحيز أو الفساد أو سوء المزاج. فسيادة القانون تقوم في جزء منها على إحساس أساسي بالعدالة يكمن في أن الحالات المماثلة ستُعامل معاملة مماثلة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة المتعلقة بالعدالة هي مسألة رسمية. وتقول أن الأفراد المتساويين يتعين إن يعاملوا معاملة متساوية، ولكنها لا تحدد من ينبغي أن يعتبر مساويا أمام القانون. ولكن ووفقا لما هو معروف، شهد القرن العشرون إنهاءً مطردا ومرحليا للتمييز من جانب كثير من النظم القانونية. واكتسبت النساء والأقليات الإثنية والمعوقون والأطفال حقوقا تتزايد بشكل دائم، وأصبحوا يعاملون إلى حد كبير على قدم المساواة في نظم قانونية تتزايد أعدادها باطراد.
وتأكد وتعزز إنهاء التمييز بشكل تدريجي في المعاهدات الدولية، ومن أمثلتها في سياق الأمم المتحدة، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، واتفاقية حقوق الأفراد ذوي الإعاقة.
ونتيجة لذلك، فإن الاشتراط الرسمي لسيادة القانون المتعلق بأن الأشخاص المتساويين يتعين أن يعاملوا معاملة متساوية لم يعد إلى حد كبير مجرد مسألة رسمية بحتة. وأصبح يكفل بشكل متزايد ألا يتعرض أي شخص لتمييز ضده بحكم القانون.
ولا يعني هذا عدم وجود مشاكل. فعلى سبيل المثال فإن الصلة بين تمكين المرأة وسيادة القانون لايمكن التقليل من شأنها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب سيادة القانون- معهد راؤول ويلنبرغ لحقوق الإنسان والقانون الإنساني