رحلة إلى أفكار الفيلسوف- الإله
2022.11.20
مروان حبش- فينكس
امبادوقليس (430-490) ق.م، إنه فيلسوف وطبيب وكاتب وشاعر وسياسي وخطيب، مواطن بمدينة أغريغنتوم، وهي مدينة يونانية بصقلية.
لقد درس بعض الوقت مع الفيثاغوريين، ولما نضج تفكيره، أخذ يفشي بعض عقائدهم السرية فطرد من زمرتهم. أولع أشد الولع بعقيدة تناسخ الأرواح، وأعلن بخيال الشعراء وعواطفهم أنه كان (في سالف الأيام شاباً، وفتاة، وغصناً مزهراً، وطائراً، وسمكة تسبح صامتة في البحر العميق). وذمَّ أكل الطعام الحيواني ووصفه بأنه لا يخرج عن أكل لحوم البشر، وتساءل: أليست هذه الحيوانات تجسيداً جديداً لبعض الآدميين؟
اعتقد أمبادوقليس أن الناس جميعاً كانوا سابقاً آلهة، ولكنهم خسروا مكانهم في السماء لارتكابهم شيئاً من الدنس أو العنف، ويقول: "بأنه يشعر في قرارة نفسه بما يوحى إليه لألوهيته قبل مولده، وأي مجدٍ عظيم وأية سعادة ليس فوقها سعادة قد تدهورت منها الآن، وأصبحت أطوف الأرض مع الآدميين". ولأنه واثق من هذا الأصل الإلهي فقد انتعل حذاءين من الذهب، ولبس ثياباً أرجوانية اللون، ووضع على رأسه إكليلاً من الغار، وقال لأبناء وطنه إنه محبوب الإله "أبولو"، ولم يعترف لغير أصدقائه بأنه إله. وادعى أن له قوى فوق قوى البشر، ومارس بعض طقوس السحر، وحاول بطريق العزائم والرقى أن ينتزع من العالم الآخر أسرار مصير الانسانية.
كان طبيباً ذا آراء كثيرة في علم الطب، ومتمكناً من سيكولوجية الفن، وخطيباً مصقعاً، واخترع- كما يقول أرسطو- أصول علم البلاغة، وكان مهندساً بتجفيف المستنقعات وتحويل مجاري الأنهار، وكان سياسياً شجاعاً تزعم، وهو أرستقراطي الأصل، ثورة على الأرستقراطية الضيقة، وأبى أن يكون حاكماً بأمره، وأقام حكماً ديمقراطياً معتدلاً، وكان شاعراً كتب في التطهير وفي الطبيعة شعراً بديعاً اضطر أرسطو وشيشرون إلى أن يضعاه في مصاف الشعراء المجيدين. وقال فيه الفيلسوف ديوجين: "إذا ذهب إلى الألعاب الأولمبية استلفت جميع الأنظار، حتى لم يكن يذكر إنسان آخر بمثل ما يذكر به هو، ولعله كان كما يقول إلهاً".
لقد كان فيلسوفاً يختار مبادئه من فلسفات مختلفة، ويرى أن المثالية تضايق الحواس وتفسر كل شيء ما عدا العالم، والمادية تكدر النفس وتفسر كل شيء ما عدا الحياة، ولذا لابد من العثور على مبدأ محرك دافع يتوسط بين التركيب والنماء، وبين الأشياء والأفكار، وبحث عنه في القوى الكامنة التي تنزع إلى الثورة والانقلاب.
وكان يرى أن تناسخ الأرواح يؤلف من الأنفس كلها سيرة واحدة، ولا يوجد في الطبيعة فرق واضح بين جنس وجنس، أو بين نوع ونوع. وقد كانت الذكورة والأنوثة في بادئ الأمر مجتمعتين في جسم واحد، ثم انفصلتا وظلت كلتاهما تتوق إلى الاتحاد مع الأخرى. ويوجد مقابل عملية التطور هذه عملية الانحلال وهاتان العمليتان مستمرتان إلى الأبد، وتتنازعان، وتتوازنان في نظام عالمي شامل هو نظام الحياة والموت. ومكان الله في هذه العملية غير واضح، فهو في بعض الأحيان يوحد بين الإله وبين الكون نقسه، وفي بعضها الآخر يوحد بين الإله وبين حياة كل حي أو عقل كل عاقل، ويدرك عدم استطاعة تكوين فكرة صحيحة عن القوة الخالقة الأساسية، ويقول: "لن نستطيع أن نقرب الله منَّا قرباً يمكننا من أن ندركه، إنه كله عقل لا غير، عقل مقدس لا ينطبق عليه وصف، يومض في طيات العالم كله وميض الفكر الخاطف".
أصبح أمبادوقليس في أواخر حياته واعظاً دينياً منهمكاً في نظرية التجسيد، ودعا بني جنسه أن يتطهروا من الخطيئة التي طردوا بسببها من السماوات.
وبسبب تأييده لأهل مدينة سرقوصة لما حاصرها الأثينيون عام 415 ق.م، غضب عليه سكان مدينته "أكرجاس" التي كانت تحقد على سكان مدينة سرقوصة، مما أدى إلى نفيه، فذهب إلى مدينة ميغارا في أرض اليونان القارية، حيث وافاه الأجل، بينما تقول بعض الأساطير إنه ألقى بنفسه في فوهة بركان "إتنا" الثائر لكي يموت من غير أن يخلف وراءه أثراً، فيؤيد بذلك دعواه أنه إله، ولكن النار قذفت بخفيه النحاسيين، وتركتهما على حافة كأس البركان، كأنهما رمزان ثقيلان للفناء.